ومن مدرسة ابن حنبل يُتَعلم كيفية استيعاب فقه الخلاف، فقد روى العباس بن عبد العظيم العنبري (ت240هـ) قال: كنت عند أحمد ابن حنبل وجاءه علي بن المديني راكباً على دابة، فتناظرا في الشهادة - أي الشهادة بالجنة للمبشرين بها- وارتفعت أصواتهما، حتى خفت أن يقع بينهما جفاء، وكان أحمد يرى الشهادة، وعلي يأبى ويدفع، فلما أراد علي الانصراف قام أحمد فأخذ بركابه(1)[83]).
وأرسل إبراهيم بن عبد العزيز إلى إبراهيم النظام مالاً أحوج ما يكون إليه، وقال له: إن كنا اختلفنا في المقالة-أي في الرأي والمذهب-فإنا نرجع بعد ذلك إلى حقوق الأخلاق والحرية(2)[84])، وقد رأيتك حيث مررت بي على حالٍ كرهتها، وينبغي أن تكون نزعت بك حاجة، فإن شئت فأقم بمكانك مدة شهر أو شهرين، فعسى نبعث إليك ببعض ما يكفيك زماناً من دهرك، وإن اشتهيت الرجوع فهذه ثلاثون ديناراً فخذها وانصرف وأنت أحق من عذر(3)[85]).
فاستوعب أهل الفقه الخلاف، فلم تمنعهم الأخوة وطلب اجتماع المسلمين من الرد على بعضهم، وبيان أرائهم في صواب صاحبه وخطئه، ولم يؤد بهم الرد ولا الاختلاف في الاجتهاد إلى التنازع والتناحر والوقيعة فيما بينهم، وتمزيق عرى أخوتهم... وبقي بعضهم يثني على بعض.
خاتمة
(1) 83]) أدب الاختلاف، ص72؛ وانظر أمثلة أخرى في جامع بيان العلم وفضله، 2/ 300.
(2) 84]) أي شرف النفس والإنسانية، وأخلاق الرجال الأحرار أي الكرماء .
(3) 85]) صفحات من صبر العلماء، ص220.