ومما يصور طبيعة التواد بين أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في المسائل التي اختلفوا فيها ما وقع بين عائذ بن عمرو وأبي برزة رضي الله عنهما، فقد كان عائذ بن عمرو يلبس الخز(1)[78])، ويركب الخيل، وكان أبو برزة لا يلبس الخز ولا يركب الخيل، ويلبس ثوبين ممصرين، فأراد رجل أن يشي بينهما، فأتى عائذ بن عمرو فقال: ألم تر إلى أبي برزة يرغب عن لبسك وهيئتك ونحوك، لا يلبس الخز ولا يركب الخيل، فقال عائذ: يرحم الله أبا برزة، من فينا مثل أبي برزة.. ثم أتى أبا برزة فقال: ألم تر إلى عائذ يرغب عن هيئتك ونحوك، يركب الخيل ويلبس الخز، فقال: يرحم الله عائذاً! ومن فينا مثل عائذ(2)[79]).
وهذا الثناء على المخالف في مسألة معينة قبل بيان الصواب سمتٌ عند الأكابر والفضلاء في الأمة، فعن شريح القاضي أنه أتاه رجل فقال: إني آليت من امرأتي فمضت أربعة أشهر قبل أن أفيئ، فقال شريح: ((وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) (البقرة:227)،لم يزده عليها.. فأتى مسروقاً فذكر ذلك له فقال: يرحم الله أبا أمية! لو أنا قلنا مثل ما قال لم يُفَرَّجْ أحد عنه وإنما أتاه ليفرج عنه، ثم قال: هي تطليقة بائنة وأنت خاطب من الخطاب(3)[80]).
(1) 78]) في النهاية،2/ 28: "الخزُّ المعروف أوّلا ثياب تُنْسَج من صُوف وإبْرَيَسم وهي مُبَاحة، وقد لَبسها الصَّحابة والتَّابعون فيكون النَّهى عنها لأجْل التَّشبُّه بالعجم، وَزِيّ المُتْرَفِينَ، وإن أريد بالخَزِّ النَّوعُ الآخر وهو المعروف الآن فهو حرام لأن جميعَه معمولٌ من الإبْرَيَسم وعليه يحمل الحديث الآخر قَومٌ يَسْتَحِلُّون الخَزّ والحرير".
(2) 79]) الطبقات الكبرى، 4/ 300.
(3) 80]) الطبري، 2/ 430 .