استوعب الصحابة، رضوان الله عليهم، فقه الاختلاف، فلم يفسد الخلاف بينهم المعالم الإسلامية القطعية، مثل: الأخوة الإسلامية بحقوقها من حب ومودة ونصرة وتعاون، فأعملوا في ذلك قاعدة (لا إنكار في مسائل الاجتهاد) في موضعها فلم تمزق لهم وحدة، ولا شققت لهم أخوة.
ولم يتركوا النصح فيما بينهم والحوار والمجادلة بالتي هي أحسن، ورد الخطأ، والتنبيه عليه عندما يظهر في اجتهاد أحدهم، ولم يجعلوا قاعدة (لا إنكار في مسائل الخلاف) على إطلاقها تستعلي على النصوص، وعلى المحكمات الشرعية لمجرد ظهور خلاف فلان منهم فيها، مع التماس العذر له في خلافه من سهوٍ أو نسيانٍ أو عدم بلوغ دليل .
لقد تمت عملية تطبيعٍ تربوية للصحابة بشأن عدم التنافي بين الإنكار وبين بقاء عاصم الأخوة وحقوقها، وبقاء جلالة قدر كل من الطرفين عند الطرف الآخر(1)[77]).. لذلك فإن المتأمل في مواقف بعض الصحابة، مما ورد في ثنايا هذا البحث وأقوالهم وعباراتهم التقويمية في الإنكار، بعضهم على بعض، وأساليبهم الراقية في التعامل مع الخلاف، يخلص إلى ما يأتي مما يمكن تسميته، «آداب التذكير والإنكار في المسائل الاجتهادية»:
(1) 77]) من ذلك: أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَتَى عَلَى سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ وَبِلالٍ فِي نَفَرٍ فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَخَذَتْ سُيُوفُ اللَّهِ مِنْ عُنُقِ عَدُوِّ اللَّهِ مَأْخَذَهَا، قَالَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَتَقُولُونَ هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ وَسَيِّدِهِمْ فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ، لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ، فَأَتَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: يَا إِخْوَتَاهْ أَغْضَبْتُكُمْ؟ قَالُوا: لا، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَخِي (مسلم،4/ 1947).