فالاختلاف سواء كان اختلاف تنافٍ أو تضاد يؤدي إلى التنازع، بل إن اختلاف التنوع قد أدى إلى التنازع في صور قديمة ومعاصرة، فكيف إذا كان اختلاف تنافٍ؟
ومن المفاسد العظيمة التي يؤدي إليها التنازع مفسدتان:
أولاهما: ظلم النصوص بوضعها في غير موضعها، ومصادرة ما عند كل طرفٍ من حق وباطل، وخطأ وصواب، لمجرد أنه ينتمي فكرياً إلى اتجاه إسلامي آخر، ثم يعقب ذلك أن تختار بعض هذه الاتجاهات من المذاهب والأقوال ما تشتهيه ويوافق هواها لا ما يوافق هدى الرحمن، والله تعالى يقول: (( وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ )) (ص:26)، ويقول: (( وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ )) (المائدة:77).
وقد يزينون هذا الخطأ الكبير بالاستدلال بقاعدة (لا إنكار في مسائل الخلاف) أمام عامة أتباعهم، ثم يمارسون أقسى أنواع الإنكار في واقعهم العملي.
وثانيهما: ظلم كثير من الأمة أو أكثرهم بعضهم بعضاً، وبغيهم عليهم، تارة بنهيهم عن عمل لم ينه الله عنه، وبغضهم على من لم يبغضهم الله عليه، وتارة بترك ما أوجب الله من حقوقهم وصلتهم، لعدم موافقتهم له على الوجه الذي يؤثرونه، حتى يؤثرون في الموالاة والمحبة وإعطاء الأموال والولايات، وإسناد الوظائف(1)[76])، وبذل المساعدات، وتيسير المعاملات، من يكون فاقداً لأهلية ما أُسند إليه، قوة وأمانة، ويحاربون القوي الأمين بغياً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم أنه الحق، لمجرد الرغبة الشخصية في وجود شخص موافق لهم في كل صغير وكبير دون أدنى تقويمٍ أو نصح ٍحق، مكتفين بإلهاء أتباعهم بشيءٍ صوري من النصح والتذكير والإنكار.
من أخلاق الصحابة والسلف في الإنكار
(1) 76]) موقف الأمة من اختلاف الأئمة، ص180.