لذلك يمكن القول: إن المراد بهذه القاعدة - حال التسليم بها- هو أن الاجتهاد صواب في ذاته لا في نتيجته، وقد يكون المراد صواب الاجتهاد في المسائل الاجتهادية التي لكل فيها حظٌ من النظر، لا في المسائل الخلافية، ولذا قال الزركشي: «الإنكار من المنكر إنما يكون فيما اجتمع عليه فأما المختلف فيه فلا إنكار فيه، لأن كل مجتهد مصيب أو المصيب واحد ولا نعلمه، ولم يزل الخلاف بين السلف في الفروع، ولا ينكر أحد على غيره مجتهداً(1)[70]) فيه، وإنما ينكرون ما خالف نصاً أو إجماعاً قطعياً أو قياساً جلياً»(2)[71])، فهذا الذي قرره الزركشي هو مدار البحث، وهو متفق عليه لا يخالف فيه أحد، إنما يتفرقون في التعبير والتفصيل بعد ذلك…ولكن المحاكمة تكون إلى هذا الأصل.
كما يمكن القول: بأن الخلاف حولها لفظي عند الجمع بين النواحي التنظيرية والتطبيقية للفقهاء القائلين بها، لقيامهم بالإنكار على مخالفيهم في الاجتهاد في مسائل خلافية، وعند القول بأن المراد من أن كل مجتهد مصيب في أصل الاجتهاد، أو في رفع الإثم عنه وثبوت الأجر له، أو في الاجتهاد في مسألة اجتهادية محتملة.
وهذا كله يقود إلى أن المراد الأعظم من وضع هذه القاعدة: الحث على الاجتهاد، واستكثار الآراء في المسألة للمتأهلين من أجل الوصول إلى الهدى الرباني، وأن يجتمع المسلمون حول عاصم الأخوة، وحقائقها القطعية.
ثانياً: قاعدة (استحباب الخروج من الخلاف):
(1) 70]) لاحظ أن عدم الإنكار في المسائل الاجتهادية إنما هو على الاجتهاد في ذاته لمن تأهل له، وأما نتيجة الاجتهاد فقد أنكر الصحابة بعضهم على بعض، والفقهاء بعضهم على بعض إنكاراً لم يتعد اللسان، وهذه كتب (الفروع) زاخرة بذلك، وهي تمثل صورة راقية تدل على مدى استيعاب الفئات الفقهية المختلفة للخلاف، وعدم خرم الأخوة الإسلامية بذلك .
(2) 71]) المنثور، 2/140.