ويرحم الله الإمام العز بن عبد السلام، فقد اشتكى بمرارة من ظاهرة العصبية المذهبية لمتبوع مع ضعف مأخذه، قائلاً: «ومن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعاً ومع هذا يقلده فيه، ويترك من الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبه، جموداً على تقليد إمامه، بل يتحلل لدفع ظواهر الكتاب والسنة، ويتأولهما بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالاً عن مقلده، وقد رأيناهم يجتمعون في المجالس... وما رأيت أحداً رجع عن مذهب إمامه إذا ظهر له الحق في غيره، بل يصير عليه مع علمه بضعفه وبعده، فالأولى ترك البحث مع هؤلاء الذين إذا عجز أحدهم عن تمشية مذهب إمامه قال: لعل إمامي وقف على دليل لم أقف عليه ولم أهتد إليه، ولم يعلم المسكين أن هذا مقابل بمثله ويفضل لخصمه ما ذكره من الدليل الواضح والبرهان اللائح، فسبحان الله ما أكثر من أعمى التقليد بصره حتى حمله على مثل ما ذكر، وفقنا الله لاتباع الحق أين ما كان وعلى لسان من ظهر، وأين هذا من مناظرة السلف ومشاورتهم في الأحكام ومسارعتهم إلى اتباع الحق إذا ظهر على لسان الخصم، وقد نقل عن الشافعي رحمه الله أنه قال: ما ناظرت أحداً إلا قلت اللهم أجر الحق على قلبه ولسانه، فإن كان الحق معي اتبعني وإن كان الحق معه اتبعته»(1)[43]).
وإذا قارنا بين هذه الصورة، التي رسم ملامحها الإمام العز بن عبد السلام، وبين واقع العصبية المعاصرة في بعض الحركات والجماعات، نجد أن التعلل بالأعذار هي ذاتها عند محاولة المناقشة لما تصدره قيادات هذه الحركات من فعاليات فكرية أو عملية، وتقويمها، والنقد لها.
(1) 43]) قواعد الأنام، 2/ 135.