ولا بد من التأكيد هنا أن كلام الأئمة حول قاعدة (لا إنكار في مسائل الخلاف) فيه ما يشير إلى تقسيم المختلَف فيه إلى قسمين، من حيث التعريف ومن حيث الحكم: مسائل خلافية يكون فيها الإنكار قائماً بأنواعه، ومسائل اجتهادية لا إنكار فيها إلا تذكيراً علمياً ومباحثة… وقد يلمح وجود هذا التقسيم بصورةٍ عملية في ثنايا كلامهم، وإن لم يكن التقسيم الاصطلاحي مستقراً، فالسيوطي يستثني من هذه القاعدة، والاستثناء يقتضي وجود اثنين: مستثنىً وهو المسائل الخلافية فالإنكار فيها قائمٌ، ومستثنىً منه وهو المسائل الاجتهادية، فالإنكار فيها هو المنفي على تفصيل في ذلك، والماوردي يجعل الإنكار قائماً فيما ضعف فيه الخلاف وهذه هي المسائل الخلافية، وينفي الإنكار فيما عدا ذلك من المسائل الخلافية وهي المسائل الاجتهادية(1)[14])، ومثله الفراء… فتقسيم المسائل الخلافية إلى نوعين أحدهما يكون فيه الإنكار، والآخر لا إنكار فيه مما يجعل القاعدة أكثر انضباطاً، وهذا واضحٌ في كلام العلماء من ناحيةٍ عملية، وإن لم يوجد من حيث الاصطلاح.
(1) 14]) وكذلك عند الإمام الزركشي في المنثور فقد أقر هذه القاعدة محل البحث، ولكن بعبارة تدل على إقراره العملي بالتقسيم.