تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما العشي بأجمعهم:

فكلهم شاعر، ولا كميمون بن قيس شاعر المدح والهجاء واليأس والرجاء، والتصرف في الفنون، والسعي في السهول والحزون، نفق مدحه بنات المحلق. وكان في فقر ابن المذلق، وأبكى هجوه علقمة كما تبكي الأمة.

وأما الأسود بن يعفر:

فأشعر الناس، إذا ندب دولة زالت، أو بكى حالة حالت، أو وصف ربعا خلا بعد عمران، أو دارا درست بعد سكان، فإذا سلك هذا السبيل فهو من حشو هذا القبيل: كعمرو، وزيد، وسعد، وسعيد.

وأما حسان:

فقد اجتث بواكر غسان، ثم جاء الإسلام وانكشف الإظلام، فجاحش عن الدين، وناضل عن خاتم النبيين، فشعر وزاد وحسن وأجاد، إلا أن الفضل في ذلك لرب العالمين وتسديد الروح الأمين.

وأما دريد بن الصمة:

فصمة صمم وشاعر جشم وغزل هرم، وأول من تغزل في رثاء، وهزل في حزن وبكاء. فقال في معبد أخيه قصيدته المشهورة يرثيه:

أرث جديد الحبل من أم معبد

وهي من شاجيات النوائح وباقيات المدائح.

وأما الراعي عبيد:

فجبل على وصف الإبل، فصار بالراعي يعرف، ونسي ما له من الشرف.

وأما زيد الخيل:

فخطيب سجاعة وفارس شجاعة، مشغول بذلك عما سواه من المسالك.

وأما عامر بن الطفيل:

فشاعرهم في الفخار وفي حماية الجار، وأوصفهم لكريمة، وأبعثهم لحميد شيمة.

وأما ابن مقبل:

قديم شعره، وصليب نجره، ومغلي مدحه، ومعلي قدحه.

وأما جرول:

فخبيث هجاؤه، شريف ثناؤه، صحيح بناؤه، رفع شعره من الثرى، وحط من الثريا، وأعاد بلطافة فكره، ومتانة شعره، قبيح الألقاب فخرا يبقى على الأحقاب، ويتوارث في الأعقاب.

وأما أبو ذؤيب:

فشديد أمير الشعر حكيم، شغله فيه التجريب حديثه وقديمه، وله المرثية النقية السبك، المتينة الحبك، بكى فيها بنيه السبعة، ووصف الحمار فطول، وهي التي أولها :

أمن المنون وريبه تتوجع

وأما الأخطل:

فسعد من سعود بني مروان، صفت لهم مرآة فكره، وظفروا بالبديع من شعره. وكان باقعة من حاجاه، وصاعقة من هجاه.

وأما الدارمي همام:

فجوهر كلامه، وأغراض سهامه، إذا افتخر بملك بني حنظلة، وبدارم في شرف المنزلة، وأطول ما يكون مدى إذا تطاول اختيار جرير عليه بقليله على كثيره، وبصغيره على كبيره؛ فإنه يصادمه حينئذ ببحر ماد، ويقاومه بسيف حاد.

وأما ابن الخطفي:

فزهد في غزل، وحجر في جدل، يسبح أولا في ماء عذب، ويطمح آخرا في صخر صلب، كلب منابحة، وكبش مناطحة، لا تفل غرب لسانه مطاولة الكفاح، ولا تدمي هامته مداومة النطاح، جارى السوابق بمطية، وفاخر غالب بعطية، وبلغته بلاغته إلى المساواة، وحملته جرأته على المجاراة، والناس فيهما فريقان، وبينهما عند قوم فرقان.

وأما القيسان وطبقتهما:

فطبقة عشقة، توقة، استحوذت الصبابة على أفكارهم، واستفرغت دواعي الحب معاني أشعارهم، فكلهم مشغول بهواه لا يتعداه إلى سواه.

وأما كثير:

فحسن النسيب فصيحه، لطيف العتاب مليحه، شجي الاغتراب قريحه، جامع إلى ذلك رقائق الظرفاء، وجزالة مدح الخلفاء.

وأما الكميت والرماح ونصيب والطرماح:

فشعراء معاصرة ومناقضات ومفاخرة، فنصيب أمدح القوم، والطرماح أهجاهم، والرماح أنسبهم نسيبا، والكميت أشبهم تشبيبا.

وأما بشار بن برد:

فأول المحدثين، وآخر المخضرمين، وممن لحق الدولتين، عاشق سمع وشاعر جمع، شعره ينفق عند ربات الحجال، وعند فحول الرجال، فهو يلين حتى يستعطف، ويقوى حتى يستنكف، وقد طال عمره، وكثر شعره، وطما بحره، ونقب في البلاد ذكره.

وأما ابن أبي حفصة:

فمن شعراء الدولتين، وممن حظي بالنعمتين، ووصل إلى الغنى بالصلتين، وكان درب المعول، ذرب المقول، والد شعراء، ومنجب فصحاء.

وأما أبو نواس:

فأول الناس في خرم القياس وذلك أنه ترك السيرة الأولى، ونكب عن الطريقة المثلى، وجعل الجد هزلا والصعب سهلا، فهلهل المسرد، وبلبل المنضد، وخلخل المنجد، وترك الدعائم، وبنى على الطامي والعائم، وصادف الأفهام قد نكلت، وأسباب العربية قد تخلخلت وانحلت، والفصاحات الصحيحة قد سئمت وملت، فمال الناس إلى ما عرفوه، وعلقت نفوسهم بما ألفوه، فتهادوا شعره، وأغلوا سعره، وشغفوا بأسخفه، وكلفوا بأضعفه، وكان ساعده أقوى وسراجه أضوأ، لكنه عرض الأنفق وأهدى الأوفق، وخالف فشهر، وعرف وأغرب، فذكر واستظرف، والعوام تختار هذه الأعلاق، وأسواقهم أوسع الأسواق، فشعر أبي نواس نافق عند هذه الأجناس، كاسد عند أنقد الناس، وقد فطن إلى استضعافه وخاف من استخفافه، فاستدرك بفصيح طرده طرفا حد اللسان وحدوده وهو محدود في كثرة التظاهر على من غض منه بالحق الظاهر، ليس إلا لخفة روح المجون، وسهولة الكلام الضعيف الملحون على جمهور العوام، لا على خواص الأنام.

رسائل البلغاء · الصفحة ٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ٩٥