تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فانتقد المعز على ابن رشيق قوله يعيبون. وقال: «أوجدت لخصمها حجة بأن بعض الناس عابه».» فانظر ما ألطف هذه المناضلات، وما أحلى هذه الحكايات. ولولا خوف الإطالة لزدنا من هذه طرفا تروق الخاطر.

واستمر ابن شرف على خدمة المعز إلى أن زحف عرب الصعيد من هلاليين ورياح وغيرهم، واستولوا على غالب القطر التونسي بعد ما خربوه ودمروه، واضطر الأمير المعز إلى ترك القيروان أمام تلك القبائل المتوحشة (سنة 449ه)، وفر إلى المهدية واتخذها دار ملكه، وقد تبعه إليها شعراؤه وحاشيته، وفي خلاء القيروان يقول ابن شرف من قصيدة رنانة:

بعد خطوب خطبت مهجتي

وكان وشك البين أمهارها

ذا كبد أفلاذها حولها

وقسمت الغربة أعشارها

أطفالها ما سمعت بالفلا

قط فعادت في الفلا دارها

ولا رأت أبصارها شاطئا

ثم جلت باللج أبصارها

وكانت الأستار آفاقها

فعادت الآفاق أستارها

ولم تكن تعلو سريرا علا

إلا إذا وافق مقدارها

ثم علت فوق عشور الخطا

ترمي به في الأرض أحجارها

ولم تكن تلحظها مقلة

لو كحلت بالشمس أشفارها

فأصبحت لا تتقي لحظة

إلا بأن تجمع أطمارها

وأقام ابن شرف مدة بالمهدية مع زمرة شعراء الملك يخدم الأمير المعز، وابنه تميما إلى أن رحل عنها قاصدا جزيرة صقلية، لما سمع عن كرم أميرها، وإليها لحقه رصيفه ابن رشيق، وقد قدمنا أنه كان وقع بينهما بالقيروان، ما وقع بين جرير والفرزدق، أو بين الخوارزمي وبديع الزمان، فلما اجتمعا بصقلية تسامحا، وأقاما بها زمنا ثم استنهض يوما ابن شرف رفيقه على جواز الأندلس، فأنشد حينئذ ابن رشيق البيتين المشهورين بين الخاص والعام:

مما يزهد في أرض أندلس

سماع مقتدر فيها ومعتضد

ألقاب سلطنة من غير مملكة

كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد

فأجابه ابن شرف بديهة:

إن ترمك الغربة في معشر

قد جبل الطبع على بعضهم

فدارهم ما دمت في دارهم

وأرضهم ما دمت في أرضهم

واجتاز ابن شرف وحده الأندلس، وسكن ألمرية وغيرها، وتردد على ملوك طوائفها كآل عباد بإشبيلية وغيرهم، وبهذه المدينة الأخيرة كانت وفاته (سنة 460ه/1067م)، وخلف ابنا يدعى أبا الفضل جعفرا كان أديبا مجيدا أيضا، أورد له العماد في خريدته والفتح في قلائده قصائد وفصولا، تشهد له بطول الباع.

أما تآليف محمد بن شرف فكثيرة، على ما نقله إلينا المؤرخون، فمنها كتاب «أبكار الأفكار» جمع فيه ما اختاره من نظمه ونثره، وهو أنفس مصنفاته «مفقود وقد يوجد منه شيء في بعض كتب الأدب»، ومنها كتاب «أعلام الكلام» به نخب وملح «مفقود أيضا»، ثم «رسائل الانتقاد»، والمظنون أنه ألفها بعد هجرته القطر التونسي، كما يستفاد من سياق كلامه في مقدمتها، وغيرها من هذه المصنفات الأدبية النفيسة.

وها نحن نأتي هنا على منتخبات نثر وشعر من كلام محمد بن شرف؛ ليرى القارئ براعة هذا المؤلف الجليل، ومكانته من الأدب.

فمن نظمه في الشوق إلى بلاده القيروان مدة إقامته بالأندلس:

يا قيروان وددت أني طائر

فأراك رؤية باحث متأمل

يا لو شهدتك إذ رأيتك في الكرى

كيف ارتجاع صباي بعد تكهل

وإذا تجدد لي أخ ومنادم

جددت ذكر أخ خليل أول

لا كثرة الإحسان تنسي حرستي

هيهات تذهب علتي بتعلل

لو كنت أعلم أن آخر عهدهم

يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل

وله في شكوى الزمان:

إني وإن عزني نيل المنى لأرى

حرص الفتى خلة زيدت على العدم

تقلدتني الليالي وهي مدبرة

كأنني صارم في كف منهزم

وأنشد في المعنى:

عتابا عسى أن الزمان له عتبى

وشكوى فكم شكوى ألانت له القلبا

إذا لم يكن إلا إلى الدمع راحة

فلا زال دمع العين منهملا سكبا

وقال أيضا:

وما بلوغ الأماني في مواعدها

إلا كأشعب يرجو وعد عرقوب

وقد تخالف مكتوب القضاء به

فكيف لي بقضاء غير مكتوب

ومن شعره في الحكم قوله:

احذر محاسن أوجه فقدت محا

سن أنفس ولو انها أقمار

سرج تلوح إذا نظرت فإنها

نور يضيء وإن مسست فنار

رسائل البلغاء · الصفحة ٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ٩١