تونس، حسن حسني عبد الوهاب.
| ترجمة المؤلف ابن شرف القيرواني
نبغ أبو عبد الله محمد بن أبي سعيد بن أحمد بن شرف الجذامي القيرواني نحو (سنة 390ه)، من إحدى البيوتات الشريفة القادمة مع الجيش العربي الفاتح، والقيروان إذ ذاك زاهية زاهرة بالعلوم رافلة بالمعارف والفنون، فروى المعقول والمنقول عن أفاضل ذلك العصر كأبي الحسن القابسي، وأخذ الفنون الأدبية من أساتذتها: كأبي إسحاق إبراهيم الحصري القيرواني، ومحمد بن جعفر القزاز، وغيرهما، حتى برع فيها وأجاد؛ فألحقه حينئذ المعز بن باديس الصنهاجي أمير إفريقية بديوان حاشيته؛ لما رأى فيه من الذكاء والنجابة، وهناك التقى ابن شرف بجماعة من الكتاب البلغاء، والشعراء الظرفاء الذين كان يجمعهم ديوان الملك، مثل علي بن أبي الرجال الكاتب، رئيس قلم الإنشاء، وأبي علي الحسن بن رشيق صاحب العمدة، ومحمد بن حبيب القلانسي، وغيرهم.
وطبيعي أن وجود ابن شرف في مثل هذا الوسط، دعاه إلى تتبع الوجهة التي شب عليها وقوي نشاطه؛ إذ كان أولئك الأدباء الأجلاء يتسابقون في التقرب بنظمهم ونثرهم إلى الأمير؛ رغبة في العطايا الهائلة والهبات الطائلة، وحصل عن هذا التنافس والتزاحم حركة فكرية أدبية لم تر إفريقية مثلها في عصر من عصور السلطنة الإسلامية، وصارت القيروان كعبة العلم التي يحج إليها العلماء من جميع أصقاع المغرب حتى من الأندلس، وقد خصص المعز لصحبته من بين هؤلاء الزعماء المتقدمين ابن شرف هذا، وابن رشيق، فكان يلتفت تارة إلى الأول وأخرى إلى الثاني، وجرى بسبب ذلك بين هذين الأديبين مناقضات ومهاجاة رسمها كل منهما في رسائل مستقلة، ومقامات متنوعة لم يصل إلينا منها شيء - فيما نعلم.
حكى ابن شرف المترجم له في كتابه «أبكار الأفكار»، قال: استدعاني المعز بن باديس يوما، واستدعى أبا علي الحسن بن رشيق الأزدي، وكنا شاعري حضرته وملازمي ديوانه. فقال: أحب أن تصنعا بين يدي قطعتين في صفة الموز على قافية الغين، فصنعنا حالا من غير أن يقف أحدنا على ما صنعه الآخر، فكان الذي صنعته:
يا حبذا الموز وإسعاده
من قبل أن يمضغ الماضغ
قد لان حتى لا مجلس له
فالفم ملآن به فارغ
سيان قلنا مأكل طيب
فيه وإلا مشرب سائغ
والذي صنعه ابن رشيق:
موز سريع أكله
من قبل مضغ الماضغ
فمأكل لآكل
ومشرب لسائغ
فالفم من لين به
ملآن مثل فارغ
يخال وهو بالع
للحلق غير بالغ
فأمرنا للوقت أن نصنع فيه على حرف الذال، فعملنا ولم ير أحدنا صاحبه ما عمل، فكان ما عملته:
هل لك في موز إذا
ذقناه قلنا حبذا
فيه شراب وغذا
يريك كالماء القذى
لو مات من تلذذ
به لقيل ذا بذا
وما عمله ابن رشيق:
لله موز لذيذ
يعيذه المستعيذ
فواكه وشراب
به يداوى الوقيذ
ترى القذى العين فيه
كما يريها النبيذ
قال ابن شرف: فأنت ترى هذا الاتفاق، لما كانت القافية واحدة والقصد واحدا، ولقد قال من حضر ذلك اليوم: ما ندري مم نعجب أمن سرعة البديهة، أم من غرابة القافية، أم من حسن الاتفاق.
وحكى المؤلف المترجم له أيضا في كتابه المذكور قال: «استخلانا المعز يوما. وقال: أريد أن تصنعا شعرا؛ تمدحان به الشعر الرقيق الخفيف، الذي يكون على سوق بعض النساء فإني أستحسنه، وقد عاب بعض الضرائر بعضا به، وكلهن قارئات كاتبات فأحب أن أريهن هذا، وأدعى أنه قديم لأحتج به على من عابه، وآسى به من عيب عليه، فانفرد كل منا وصنع في الوقت، فكان الذي قلت:
وبلقيسية زينت بشعر
يسير مثل ما يهب الشحيح
رقيق في خدلجة رداح
خفيف مثل جسم فيه روح
حكى زغب الخدود وكل خد
به زغب فمعشوق مليح
فإن يك صرح بلقيس زجاجا
فمن حدق العيون لها صروح
وكان الذي قال ابن رشيق:
يعيبون بلقيسية أن رأوا لها
كما قد رأى من تلك من نصب الصرحا
وقد زادها الترغيب ملحا كمثل ما
يزيد خدود الغيد ترغيبها ملحا