تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يا ساكني الترب ما عندي لكم خبر

فليت شعري عن المقبور ما فعلا

لم تأتنا منكم رسل مخبرة

ولا كتاب إلينا منكم وصلا

الياء

الحي بعد العيشة ردي، وجاءه القدر فما فدي، وشخصه بالقاضية ردي، لم يرزق النهل إن صدي، لكنه عن ذلك عدي، أظلته العاجلة فما هدي، وجادته الاسمية فما ندي، وقتلته الحادثات فما ودي.

نظمه «سريع»

المرء في أردية لونت

ماش ولكن بعد هذا ردي

فدى الأسارى زمنا ذاهبا

وجاءه الموت فلا فدي

فيا ردي العقل إن الفتى

لم يدفع المقدور حتى ردي

ظل صداه في الثرى ساكنا

ولم يصادف منهلا إذ صدي

رنت له الأعداء أن عاينت

صاحبها عن كل خير عدي

كان الهدى يهدي إلى قلبه

من سمعه لو انه يهتدي

جادت له أسمية برهة

وعاد يبسا غصنه ما ندي

لا يطلب الثار لميت ولا

يودى لعمر الله فيمن ودي

نجزت، والحمد لله.

القسم السادس

| رسائل الانتقاد

| كلمة للناشر

بينا كنت في خلال العام الفارط، أرسل رائد الطرف في بعض المخطوطات العربية القديمة عثرت على كتاب صغير الحجم جميل الخط عتيقه، فتأملته فوجدته لمؤلف تونسي معدود من البلغاء، وإذ كان لي ولوع شديد بالاطلاع على مآثر الأدباء من بني وطني تعلقت رغبتي بتعريف هذا التصنيف، بيد أني لما أخذت أتلو رشيق معانيه، وأحلل دقائق مبانيه، وجدت نقصا فادحا بين أوراقه أفسد عقد جمله، فحل بي من ذلك قلق عظيم، ثم بعد مدة وقعت في فهرست القسم العربي من مكتبة الأسكوريال بجزيرة الأندلس على اسم مقامة تحت عدد (536)، منسوبة إلى أبي عبد الله محمد بن شرف القيرواني، فانجلى خاطري، وبادرت في الحال لطلب نسخة منها من بعض زملائي المستشرقين، فلما وافتني صورتها وطابقتها، بما لدي عاودني سروري الأول وقوي عزمي؛ إذ كانت القطعة الأندلسية مطابقة للقسم الأول من النسخة التونسية بزيادة ما نقص، فأسرعت حينئذ إلى النسخ، وأتممت هاته بتلك حتى كمل، والحمد لله ما كنا نرغبه، وهو ما نقدمه اليوم لطلاب الآداب العربية.

ومن المناسب أن نذكر شيئا عن الأصلين اللذين أخذنا عنهما، فالأول وهي النسخة التونسية تشتمل على ستين صفحة شرقية، يلوح من شكل خطها أنها من القرن السابع، لكنها صعبة القراءة؛ لانطماس الأحرف، ودثور كتابتها دع ما لحق الورق من العث الذي أهلك جانبا وافرا منها.

أما القطعة الأندلسية التي أكملنا بها ما ضاع من التأليف، فهي تحتوي على ثماني عشرة صفحة صغيرة الحجم أندلسية الخط قديمة النسخ، كما يتبين ذلك من التاريخ الذي وضعه بعض المطالعين في الصفحة الآخرة، حيث قال: «طالعته في موفى سنة خمس وخمسمائة.» وبهذا يستدل على أن هاته القطعة كتبت زمن المؤلف مدة إقامته بالأندلس حوالي (سنة 455) أو قريبا من عهده، ومهما كان الحال فهي أقدم من أختها التونسية، إلا أنها أخصر ولا تشتمل إلا على المقامة الأولى.

ويلوح لي أن مؤلفنا قصد بتدوين هذه الرسائل معارضة «كتاب العمدة»، الذي وضعه زميله ومعاصره الحسن بن رشيق القيرواني، كما سنبينه في ترجمته، إلا أن الرسائل المعارض بها كانت أطول وأكثر مما وجدناه وأردناه هنا، يؤيد ذلك ما جاء في سياق كلام ابن شرف في مقدمته للمجلس الأول، حيث قال: «فأقمت من هذا النحو عشرين حديثا.» فالمظنون أنه يقصد بالحديث مجالسه مع الأستاذ الموهوم، الذي سماه «أبا الريان» كما اختلق الحريري في مقاماته شخص الحارث بن همام، واخترع الهمذاني عيسى بن هشام، فعسى أن يساعدني الحظ بالعثور على بقية هذا التأليف النفيس، إن كان في عالم الموجودات.

وقد احترمت في الاستنساخ الطريقة التي أتى عليها الأصل في الرسم وضبطه، إلا ما نبهت عليه أسفل المتن مع التعاليق، ولما كان الاعتراف بالمعروف فريضة، وجب علي أن أرفع شكري الخالص للكاتب البليغ، والباحث المدقق محمد بدر الدين أفندي النعساني الذي أعانني بعلومه النيرة، لإزالة بعض مشكلات النسخة التونسية، كما أقدم عبارات ودادي إلى العالم المستعرب المتمكن، صديقي الأستاذ كارلو نالينو الذي أسعفني بالحصول على صور القطعة الأندلسية، وهو لا يزال يفيدني بإشاراته العلمية وفكره الصائب فجزيا عني خير جزاء - والله ولي توفيقي به أهتدي وإليه أنيب.

رسائل البلغاء · الصفحة ٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ٨٩