صلى الله عليه وسلم : «رأيته بسوق عكاظ على جمل أحمر يقول: أيها الناس، اجتمعوا فاسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، في هذه آيات محكمات: مطر ونبات، وآباء وأمهات، وذاهب وآت، ونجوم تمور، وبحور لا تغور، وسقف مرفوع، ومهاد موضوع، وليل داج، وسماء ذات أبراج، ما لي أرى الناس يموتون ولا يرجعون، أرضوا فأقاموا، أم حبسوا فناموا؟! يا معشر إياد، أين ثمود وعاد؟ وأين الآباء والأجداد؟ أين المعروف الذي يشكر، والظلم الذي لم ينكر؟»
في الذاهبين الأولين
من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردا
للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها
تمضي الأكابر والأصاغر
لا يرجع الماضي ولا
يبقى من الباقين غابر
أيقنت أني لا محا
لة حيث صار القوم صائر
وسوف يرى القارئ ما بين الكلام المتقدم، وحل المعري وعقده في «ملقى السبيل» من مطابقة المعنى، ومشابهة اللهجة.
أما النسخة التي اعتمدنا عليها في النقل، فهي محفوظة بمكتبة الأسكوريال من بلاد الأندلس تحت نمرة (764)، وهي بخط الراوي لها، القاضي الإمام الشريف أبي محمد عبد الله بن القاضي أبي الفضل عبد الرحمن بن يحيى الديباجي العثماني رسمها بالإسكندرية أوائل القرن السادس، وقد اعتنى برسمها وضبط جملها بطريقة ثابتة مدققة، وهي فيما أعتقده أقدم نسخة لملقى السبيل، ولا يبعد أن تكون هي التي عول عليها أدباء الأندلس في معارضاتهم لها؛ فقد جاء في نفح الطيب أن الحافظ أبا الربيع الكلاعي الأندلسي المتوفى بالجهاد (سنة 634ه)، عارض هذه الرسالة بتأليف سماه: «مفاوضة القلب العليل ومنابذة الأمل الطويل بطريقة المعري في ملقى السبيل».
كما تحتوي مكتبة الأسكوريال نفسها على كتاب نمرة (519)، من وضع الكاتب الشهير أبي عبد الله محمد بن أبي الخصال، وزير يوسف بن تاشفين سلطان المرابطين عارض به «ملقى السبيل» أيضا، ومن جهة أخرى يوجد بمقدمة النسخة التي لدينا، وهي - كما قدمنا - صورة فوتوغرافية من الأصل الأندلسي كثير من الإجازات تنبئ بقراءة هذه الرسالة على أساتذة متضلعين تلتحق رواياتهم بالراسم الأول، نعني عبد الله الديباجي، وأقدم توقيع من هذا النمط مؤرخ (سنة 562ه)، وهو مما يستدل به أيضا على اهتمام الأندلسيين بتأليف المعري.
وعسى أن ننشر فيما بعد رسائل أخرى من وضع هذا الفيلسوف الشاعر - والله ولي التوفيق.
تونس، 10 ربيع الأول سنة 1329ه، ح. ح. عبد الوهاب
| ملقى السبيل
بسم الله الرحمن الرحيم
أخبرني بملقى السبيل هذه الشيخ أبو المظفر سعد بن أحمد بن حماد المعري - رحمه الله - عن أبيه، عن أبي العلاء ناظمها، وكتب عبد الله بن عبد الرحمن العثماني.
قال الشيخ الإمام أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري، رهين المحبسين:
الهمزة
كم يجني الرجل ويخطئ، ويعلم أن حتفه لا يبطئ!
نظمه «مخلع البسيط»
إن الأنام ليخطئون
ويغفر الله الخطيئه
كم يبطئون عن الجمي
ل وما مناياهم بطيئه
الألف
ابن آدم في سير وسرى، يهجر بحرصه الكرى، وطالما كذب وافترى، ليصل إلى خسيس القرى، وإنما يحصل على الثرى، كأنه لا يسمع ولا يرى.
نظمه «سريع»
أما يفيق المرء من سكره
مجتهدا في سيره والسرى
نمت عن الأخرى فلم تنتبه
وفي سوى الدين هجرت الكرى
كم قائل راح إلى معشر
أبطل فيما قاله وافترى
على القرا يحمل أثقاله
وإنما يأمل نزر القرى
يفتقر الحي ويثري وما
يصير إلا جثوة في الثرى
اسمع فهذا قائل صادق
أراك عقباك فهلا ترى
الباء
يفتقر إلى الله الأرباب، وبالكافر يحل التباب، وتنقطع بالموت الأسباب، وفي الخالق تحار الألباب.
نظمه «رجز»
دانت لرب الفلك الأرباب
وبالكفور يلحق التباب
كم قطعت لميتة أسباب
وافترقت برغمها الأحباب
التاء
النفس تصرفت وانصرفت، والأعضاء تألفت ثم تلفت، والأقضية بحق هتفت، ما أعفيت المحلة لكن عفت، كم شفيت المدنفة فما اشتفت.