تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال عمر بن الخطاب: رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي، وأسأله - أدام الله عزه - تشريفي بالجواب عنها؛ فإن هذه الرسالة على ما بها قد استحسنت، وكتبت عني وسمعت مني وشرفتها باسمه وطرزتها بذكره.

والرسالة التي كتبها الزهرجي إلي كانت أكبر الأسباب في دخولي إلى حلب، وإذا جاء جواب هذه سيرتها بحلب وغيرها - إن شاء الله - وبه الثقة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم .

القسم الخامس

| ملقى السبيل

| سانحة للناشر والمعري وشبنهاور

من عهد بعيد بحث كتاب الشرق والغرب عن حياة الشاعر الحكيم أبي العلاء المعري، وتأليفه، وعرفوه بما يستحقه من الإجلال والتعظيم، فلا حاجة لإيراد ترجمته هنا، إلا أنا لم نر أحدا أشار إلى المشابهة الغريبة الموجودة بين فلسفة المعري، ومذهب شبنهاور الحكيم الجرماني.

ولد أرثور شبنهاور بمدينة دنتسيغ بألمانيا (سنة 1788م)، فاعتنت أمه بتثقيفه. وكانت من مشاهير قصاصي ذلك القرن فأحسنت تربيته، وبعد أن تلقى العلوم بجامعة برلين وحصل على أعلى شهاداتها، أخذ يدون آراءه الفلسفية، فألف عدة كتب أهمها: «الإرادة في الطبيعة» و«أساس الحكمة»، وأشهرها: «فصول في الحكمة في الحياة»، وفيه جمع شبنهاور حكمه في أقوال موجزة وفصول قصار، وصف فيها أتعاب الحياة وآلام البشر على صورة تؤلم القارئ لانطباقها - في الغالب - على الواقع، ومذهب شبنهاور أن جميع مشاق الإنسان، وأتعابه الدنياوية الأصل فيها ما يسميه: «إرادة البشر»، يعني: شهوات طبيعتنا وحبنا التمتع والتلذذ بالحياة، أوليس هذا رأي المعري عندما يقول: «إنك إلى الدنيا مصغ، وحبها للبشر مطغ، لو أنك لشأنها ملغ، أبغاك ما تأمله مبغ.» ولولا خوف الإطالة لأوردنا شيئا كثيرا من تشابه أقوال الحكيمين. توفي أرثور شبنهاور بفرنكفورت (عام 1860م).

ومن اطلع على طريقة هذا الفيلسوف الألماني تيقن أن معتقده، ويأسه من الحياة وتشاؤمه المستمر يطابق كثيرا مذهب المعري، خصوصا في فحصه عن أتعاب البشر وآلامهم وجسه أسقام الإنسان كالباحث الماهر، والطبيب العارف من غير حنان ولا شفقة على هذا النوع الإنساني، وبدون أن يبين وصف الأدوية التي ينبغي اتخاذها واستعمالها للاتقاء وتسلية تلك المواجع، وهناك علاقة وتشابه آخر بين أبي العلاء وشبنهاور، وهو كونهما لم يتزوجا، وعاشا في عزوبة مستمرة وعزلة وانقطاع، مما أثر في طبعيهما وجعلهما يتشاءمان وينتقدان الهيئة الاجتماعية، ويتناولان أهل الدين وأرباب الشعائر والنساء والاعتقاد، ويسيئان الظن بالدنيا وساكنيها.

والفرق بين العالمين هو كون شبنهاور استقل في علم الفلسفة ودراستها والتدوين فيها، بخلاف المعري الذي لم يشتغل بالفلسفة من حيث هي علم، وإنما كان يبحث عن أسباب الأشياء وتعليل وجودها، فتخطر له خطرات حكمية تستحوذ على مخيلته وذهنه الحاد، فتسكبها قريحته الشعرية في تلك القوالب العجيبة، التي تظهر من قصائده.

بقي علينا أن نتكلم على رسالة «ملقى السبيل»، التي نقدمها اليوم إلى محبي الآثار العربية والمولعين بنثر شاعر الفلاسفة، وفيلسوف الشعراء ونظمه، فالظاهر من هيئة هاته الرسالة وإنشائها أن المعري ألفها في الدور الأخير من حياته، زمن عزلته وانقطاعه (حوالي سنة 334ه)، وقد زهد في الدنيا لكبره واقتراب أجله، فكأنه أراد الرجوع للمبادئ الدينية وسلك طريقة الوعظ والنسك وتمسك بالاعتقاد، وأين قوله زمن صغره لما كان في غزارة قواه وعنفوان شبابه:

ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة

وحق لسكان البسيطة أن يبكوا

تحطمنا الأيام حتى كأننا

زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك

من اعترافه بالبعث والمعاد في هاته الرسالة كقوله: «وفي الآخرة يكون المجمع.» وقوله: «وعند الباري تكون الزلف.» وهلم جرا.

أما أسلوب هذه الرسالة - في مجمله - فهو يشابه كثيرا لهجة الخطب البليغة ذات الفصول القصار التي كان يلقيها خطباء العرب: كسحبان وائل الباهلي، وقس بن ساعدة، وعامر بن الطفيل، وأمثالهم بأسواق الجاهلية، وإليك نموذجا من كلام قس بن ساعدة خطيب بني إياد الذي قال فيه النبي

رسائل البلغاء · الصفحة ٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ٨٤