تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذ خرج الناس من أن يكون لهم عمل أصيل، وأن يقولوا قولا بديعا، فليعلم الواصفون المخبرون أن أحدهم، وإن أحسن وأبلغ؛ ليس زائدا على أن يكون كصاحب فصوص وجد ياقوتا وزبرجدا ومرجانا، فنظمه قلائد وسموطا وأكاليل، ووضع كل فص موضعه، وجمع إلى كل لون شبهه؛ مما يزيده بذلك حسنا، فسمي بذلك صائغا رفيقا، وكصاغة الذهب والفضة صنعوا منها ما يعجب الناس من الحلي والآنية، وكالنحل وجدت ثمرات أخرجها الله طيبة وسلكت سبلا جعلها الله ذللا، فصار ذلك شفاء وطعاما وشرابا منسوبا إليها مذكورا به أمرها وصنعتها. فمن جرى على لسانه كلام يستحسنه أو يستحسن منه فلا يعجبن به إعجاب المخترع المبتدع؛ فإنه إنما اجتباه - كما وصفنا.

ومن أخذ كلاما حسنا عن غيره، فتكلم به في موضعه على وجهه فلا يرين عليه في ذلك ضئولة؛ فإنه من أعين على حفظ قول المصيبين وهدي للاقتداء بالصالحين ووفق للأخذ عن الحكماء، فلا عليه ألا يزداد؛ فقد بلغ الغاية. وليس بناقصه في رأيه ولا بغائضه من حقه، ألا يكون هو استحدث ذلك وسبق إليه، وإنما حياة العقل الذي يتم به ويستحكم خصال ست: الإيثار بالمحبة، والمبالغة في الطلب، والتثبت في الاختيار، والاعتقاد للخير، وحسن الوعي، والتعهد لما اختير واعتقد، ووضع ذلك موضعه، قولا وعملا.

أما المحبة؛ فإنما يبلغ المرء مبلغ الفضل في كل شيء من أمر الدنيا والآخرة حين يؤثر بمحبته؛ فلا يكون شيء أمرأ ولا أحلى عنده منه، وأما الطلب فإن الناس لا يغنيهم حبهم ما يحبون، وهواهم ما يهوون عن طلبه وابتغائه ولا يدرك لهم بغيتهم نفاستها في أنفسهم دون الجد والعمل، وأما التثبت والتخير فإن الطلب لا ينفع إلا معه وبه، فكم من طالب رشد وجده والغي معا! فاصطفى منهما الذي منه هرب وألغى الذي إليه سعى، فإذا كان الطالب يحوي غير ما يريد وهو لا يشك بالظفر فما أحقه بشدة التبين وحسن الابتغاء.

وأما اعتقاد الشيء بعد استبانته؛ فهو ما يطلب من إحراز الفضل بعد معرفته.

وأما الحفظ والتعهد فهو تمام الدرك؛ لأن الإنسان موكل به النسيان والغفلة فلا بد له إذا اجتبى صواب قول أو فعل من أن يحفظه عليه ذهنه لأوان حاجته، وأما البصر بالموضع؛ فإنما تصير المنافع كلها إلى وضع الأشياء مواضعها، وبنا إلى هذا كله حاجة شديدة؛ فإننا لم نوضع في الدنيا موضع غناء وخفض، ولكن موضع فاقة وكد، ولسنا إلى ما يمسك بأرماقنا من المطعم والمشرب بأحوج منا إلى ما يثبت عقولنا من الأدب الذي به تفاوت العقول. وليس غذاء الطعام بأسرع في نبات الجسد من غذاء الأدب في نبات العقل، ولسنا بالكد في طلب المتاع الذي يلتمس به دفع الضر والعيلة بأحق منا بالكد في طلب العلم الذي يلتمس به صلاح الدين والدنيا.

وقد وضعت في هذا الكتاب من كلام الناس المحفوظ حروفا، فيها عون على عمارة القلوب وصقالها، وتجلية أبصارها وإحياء للتفكير وإقامة للتدبير، ودليل على محامد الأمور ومكارم الأخلاق - إن شاء الله.

الواصفون أكثر من العارفين، والعارفون أكثر من الفاعلين، فلينظر امرؤ أين يضع نفسه، فإن لكل امرئ لم تدخل عليه آفة نصيبا من اللب يعيش به، لا يحب أن له به من الدنيا ثمنا. وليس كل ذي نصيب من اللب بمستوجب أن يسمى في ذوي الألباب، ولا أن يوصف بصفاتهم، فمن رام أن يجعل نفسه لذلك الاسم والوصف أهلا فليأخذ له عتاده، وليعد له طول أيامه، وليؤثره على أهوائه؛ فإنه قد رام أمرا جسيما لا يصلح على الغفلة، ولا يدرك بالمعجزة، ولا يصير على الأثرة. وليس كسائر أمور الدنيا وسلطانها ومالها وزينتها التي قد يدرك منها المتواني ما يفوت المثابر، ويصيب منها العاجز ما يخطئ الحازم.

وليعلم أن على العامل أمورا إذا ضيعها حكم عليه عقله بمقارنة الجهال، فعلى العامل أن يعلم أن الناس مشتركون مستوون في الحب لما يوافق، والبغض لما يؤذي، وأن هذه منزلة اتفق عليها الحمقى والأكياس، ثم اختلفوا بعدها في ثلاث خصال هن جماع الصواب وجماع الخطأ، وعندهن تفرقت العلماء والجهال والحزمة والعجزة.

رسائل البلغاء · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ٨