تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولعبد الحميد كصديقه وضريعه عبد الله بن المقفع شعر نادر، فمنه:

كفى حزنا أني أرى من أحبه

قريبا ولا غير العيون تترجم

فأقسم لو أبصرتنا حين نلتقي

ونحن سكوت خلتنا نتكلم

هذا ما وصلنا من أخبار هذين الإمامين، ونحن نعلم أن ترجمتهما، على ما أثبتناها هنا؛ ليست مستوفاة من عامة وجوهها، ولكن تلاوة كلامهما أحسن مترجم عنهما؛ إذ كلام المرء قطعة من عقله.

القسم الأول

| عبد الله بن المقفع

| توطئة للناشر

من أعظم ما تدعو الحاجة إليه علم تهذيب الأخلاق؛ لتوقف نجاح الأمم عليه، وهو فن ذو أفنان تحتاج إليه الأفراد على اختلاف طبقاتها، ومع قلة ما انتشر من كتبه ففي جلها من عدم التنقيح وانسجام العبارات، ما يصد كثيرا من الطالبين عن الإقبال عليها؛ ومن ثم كثر بحثنا عن كتب تفي بهذا المطلب مع رشاقة مبانيها؛ لتكون الفائدة مزدوجة، وهو أقصى آمال الذين يسعون في إحياء اللغة العربية وإعادتها إلى ما كانت عليه في عهدها الأول.

ولما ذهبت إلى مدينة بعلبك (سنة 1223ه)، رأيت عند بعض الأفاضل الواردين عليها مجموعا استعاره من بعض أعيانها؛ فرأيت فيه الضالة المنشودة، وهي رسالة الأدب الصغير لعبد الله بن المقفع ، الكاتب الذي يضرب ببلاغته المثل، فكتبتها بخطي في نحو يوم، وأرجو أن ييسر لنشرها من عرف بحسن الطبع ليعم بها النفع، والله الموفق. •••

وهذا بيان الرسائل التي في المجموع المذكور: (1)

كتاب: عجائب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وهو في نحو ثلاث كراسات، يشتمل على ما نقل عنه من بدائع الأحكام. (2)

ذكر الخلائف وعنوان المعارف، تأليف الصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عباد. أوله: «الحمد لله الواحد العدل، وصلى الله على النبي وخيرة الأهل، قد أسعفتك بالمجموع الذي التمسته في نسب النبي - عليه السلام - وبنيه وبناته وأعمامه وعماته، وجمل من غزواته وسائر ما يتصل بذلك.» وهو اثنتا عشرة ورقة وفي آخره، وكتب في رجب سنة عشرين وأربعمائة. (3)

رسالة إلى أحمد بن أبي دؤاد، في فضل العلم، وهي «3» أوراق وفي آخرها: «وكتب في شهر ربيع الأول سنة عشرين وأربعمائة.» (4)

ويتلوها كتاب: الأدب الصغير الذي نقلناه، وهو في الصفحة اليسرى من آخر ورقة من الرسالة السابقة بخط كاتب واحد، فتكون كتابتها في التاريخ المذكور، ولم يذكر في آخرها تاريخ. (5)

ويتلوه كتاب: ذخائر الحكمة، تأليف أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، وهو في نحو ثلاث وعشرين ورقة. (6)

مختصر من كتاب: جاويدان خرد في حكم الفرس والهند والروم والعرب، تأليف أحمد بن مسكويه، وهو في أكثر من كراس.

| الأدب الصغير لابن المقفع

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد: فإن لكل مخلوق حاجة، ولكل حاجة غاية، ولكل غاية سبيلا، والله وقت للأمور أقدارها، وهيأ إلى الغايات سبلها، وسبب الحاجات ببلاغها، فغاية الناس وحاجاتهم صلاح المعاش والمعاد.

والسبيل إلى دركها العقل الصحيح، وأمارة صحة العقل اختيار الأمور بالبصر، وتنفيذ البصر بالعزم، وللعقول سجيات وغرائز بها تقبل الأدب، وبالأدب تنمي العقول وتزكو، فكما أن الحبة المدفونة في الأرض لا تقدر على أن تخلع يبسها وتظهر قوتها وتطلع فوق الأرض بزهرتها ونضرتها وريعها ونمائها إلا بمعونة الماء الذي يغور إليها في مستودعها؛ فيذهب عنها أذى اليبس والموت ويحدث لها - بإذن الله - القوة والحياة؛ فكذلك سليقة العقل مكنونة في مغرزها من القلب، لا قوة لها، ولا حياة بها، ولا منفعة عندها؛ حتى يعتملها الأدب الذي هو نماؤها وحياتها ولقاحها. وجل الأدب بالمنطق، وكل المنطق بالتعلم، ليس حرف من حروف معجمه ولا اسم من أنواع أسمائه إلا وهو مروي متعلم مأخوذ عن إمام سابق من كلام أو كتاب، وذلك دليل على أن الناس لم يبتدعوا أصولها، ولم يأتهم علمها إلا من قبل العليم الحكيم.

رسائل البلغاء · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ٧