الباب الأول من ذلك:
أن العاقل ينظر فيما يؤذيه وفيما يسره، فيعلم أن أحق ذلك بالطلب - إن كان مما يحب - وأحقه بالاتقاء - إن كان مما يكره - أطوله وأدومه وأبقاه، فإذا هو قد أبصر فضل الآخرة على الدنيا، وفضل سرور المروءة على لذة الهوى، وفضل الرأي الجامع العام الذي تصلح به الأنفس والأعقاب على حاضر الرأي الذي يستمتع به قليلا ثم يضمحل، وفضل الأكلات على الأكلة والساعات على الساعة.
والباب الثاني:
أن ينظر فيما يؤثر من ذلك فيضع الرجاء والخوف فيه موضعه، فلا يجعل اتقاءه لغير المخوف، ولا رجاءه في غير المدرك، فيترك عاجل اللذات طلبا لآجلها، ويحتمل قريب الأذى توقيا لبعيده، فإذا صار إلى العاقبة بدا له أن فراره كان تورطا، وأن طلبه كان تنكبا.
والباب الثالث من ذلك:
هو تنفيذ البصر بالعزم بعد المعرفة بفضل الذي هو أدوم، وبعد التثبت في مواضع الرجاء والخوف؛ فإن طالب الفضل بغير بصر تائه حيران، ومبصر الفضل بغير عزم ذو زمانة محروم، وعلى العاقل مخاصمة نفسه ومحاسبتها والقضاء عليها، والإبانة لها، والتنكيل بها.
أما المحاسبة؛ فيحاسبها بما لها؛ فإنه لا مال لها إلا أيامها المعدودة التي ما ذهب منها لم يستخلف كما تستخلف النفقة، وما جعل منها في الباطل لم يرجع إلى الحق؛ فيتنبه لهذه المحاسبة عند الحول إذا حال، والشهر إذا انقضى، واليوم إذا ولى، فينظر فيما أفنى من ذلك، وما كسب لنفسه فيه وما اكتسب عليها في أمر الدين وأمر الدنيا، فيجمع ذلك في كتاب فيه إحصاء وجد وتذكير، وتبكيت للنفس، وتذليل لها؛ حتى تعترف وتذعن.
وأما الخصومة؛ فإن من طباع النفس الأمارة بالسوء أن تدعي المعاذير فيما مضى والأماني فيما بقي؛ فيرد عليها معاذيرها وعللها وشبهاتها.
وأما القضاء؛ فإنه يحكم فيما أرادت من ذلك على السيئة بأنها فاضحة مردية موبقة، وللحسنة بأنها زائنة منجية مربحة، وأما الإبانة والتنكيل؛ فإنه يسر نفسه بتذكر تلك الحسنات ويرجو عواقبها وتأميل فضلها، ويعاقب نفسه بالتذكر للسيئات والبشع بها، والاقشعرار منها والحزن لها.
فأفضل ذوي الألباب أشدهم لنفسه بهذا أخذا وأقلهم عنها فترة. وعلى العاقل أن يذكر الموت في كل يوم وليلة مرارا، ذكرا يباشر القلوب ويقذع الطماح؛ فإن في كثرة ذكر الموت عصمة من الأشر، وأمانا - بإذن الله - من الهلع.
وعلى العاقل أن يحصي على نفسه مساويها في الدين وفي الرأي وفي الأخلاق وفي الآداب، فيجمع ذلك كله في صدر أو في كتاب، ثم يكثر عرضه على نفسه، ويكلفها إصلاحه ويوظف ذلك عليها توظيفا من إصلاح الخلة، أو الخلتين والخلال في اليوم أو الجمعة أو الشهر، فكلما أصلح شيئا محاه، وكلما نظر إلى ثابت اكتأب.
وعلى العاقل أن يتفقد محاسن الناس، ويحفظها، ويحصيها، ويصنع في توظيفها على نفسه وتعهدها بذلك مثل الذي وصفنا في إصلاح المساوي.
وعلى العاقل ألا يخادن، ولا يصاحب ولا يجاور من الناس ما استطاع إلا ذا فضل في الدين والعلم والأخلاق فيأخذ عنه، أو موافقا له على صلاح ذلك فيؤيد ما عنده، وإن لم يكن له عليه فضل؛ فإن الخصال الصالحة من البر لا تحيا ولا تنمي إلا بالموافقين والمهذبين والمؤيدين. وليس لذي الفضل قريب ولا حميم هو أقرب إليه وأحب ممن وافقه على صالح الخصال فزاده وثبته؛ ولذلك زعم بعض الأولين: أن صحبة بليد نشأ مع العلماء أحب إليهم من صحبة لبيب نشأ مع الجهال.
وعلى العاقل ألا يحزن على شيء فاته من الدنيا أو تولى، وأن ينزل ما أصاب من ذلك، ثم انقطع عنه منزلة ما لم يصب، وينزل ما طلب من ذلك ثم لم يدركه منزلة ما لم يطلب؛ ولا يدع حظه من السرور بما أقبل منها، ولا يبلغن سكرا ولا طغيانا؛ فإن مع السكر النسيان، ومع الطغيان التهاون، ومن نسى وتهاون خسر.
وعلى العاقل أن يؤنس ذوي الألباب بنفسه ويجرئهم عليها، حتى يصيروا حرسا على سمعه وبصره ورأيه، فيستنيم إلى ذلك، ويريح له قلبه ويعلم أنهم لا يغفلون عنه إذا هو غفل عن نفسه.