وهو يعتقد أن العارف من الله بمنزلة شعاع الشمس منها بدأ وإليها يعود، ومنها يستمد ضوءه أنشدني الظاهر لنفسه:
أرى جيل التصوف شر جيل
فقل لهم وأهون بالحلول
أقال الله حين عشقتموه
كلوا أكل البهائم وارقصوا لي
وحرك يوما يده فانتثر على قول مسك وحرك مرة أخرى فانتثر دراهم. فقال له بعض من حضر ممن يفهم: أرني دراهم معروفة، أؤمن بك وخلق معي؛ إن أعطيتني درهما عليه اسمك واسم أبيك. فقال: وكيف هذا وهذا لا يصنع؟ قال: من أحضر ما ليس بحاضر صنع ما ليس بمصنوع. وكان في كتبه: إني مغرق قوم نوح ومهلك عاد وثمود، فلما شاع أمره وعرف السلطان خبره على صحة وقع بضربه ألف سوط وقطع يديه، ثم أحرقه بالنار في آخر سنة تسع وثلاثمائة. وقال لحامد بن العباس: أنا أهلكك. فقال حامد: الآن صح أنك تدعي ما قرفت به.»
وابن أبي العذافر أبو جعفر محمد بن علي الشلمغاني أهله من قرية من قرى واسط تعرف بشلمغان، وصورته صورة الحلاج، ويدعي عنه قوم: أنه إله، وأن الله حل في آدم، ثم في شيث، ثم في واحد واحد من الأنبياء والأوصياء والأئمة، حتى حل في الحسن بن علي العسكري، وأنه حل فيه وكان قد استغوى جماعة منهم ابن أبي عون صاحب كتاب التشبيه ومعه ضربت عنقه. وكانوا يبيحونه حرمهم وأولادهم يتحكم فيهم. وكان يتعاطى الكيمياء وله كتب معروفة.
وكان أحمد بن يحيى الراوندي من أهل مرو الروذ حسن الستر جميل المذهب، ثم انسلخ من ذلك كله بأسباب عرضت له، ولأن علمه كان أكثر من عقله وكان مثله، كما قال الشاعر:
ومن يطيق مردا عند صبوته
ومن يقوم لمستور إذا خلعا
صنف كتاب «التاج» يحتج فيه لقدم العالم، فنقضه أبو الحسن الخياط.
الزمرد:
يحتج فيه لإبطال الرسالة ، نقضه الخياط.
نعت الحكمة:
سفه الله تعالى في تكليف خلقه أمره، نقضه الخياط.
الدامغ:
يطعن فيه على نظم القرآن.
القضيب:
يثبت أن علم الله محدث، وأنه كان غير عالم حتى خلق لنفسه علما، نقضه الخياط.
الفريد:
في الطعن على النبي - عليه الصلاة والسلام.
المرجان:
في اختلاف أهل الإسلام.
علي بن العباس بن جريج الرومي، قال أبو عثمان الناجم: دخلت عليه في علته التي مات فيها، وعند رأسه جام فيه ماء مثلوج وخنجر مجرد، لو ضرب به صدر خرج من ظهر فقلت: ما هذا؟ قال: الماء أبل به حلقي، فقلما يموت إنسان إلا وهو عطشان، والخنجر إن زاد علي الألم نحرت نفسي، ثم قال: أقص عليك قصتي تستدل بها على حقيقة تلفي، أردت الانتقال من الكرخ إلى باب البصرة، فشاورت صديقنا أبا الفضل، وهو مشتق من الإفضال، فقال: إذا جئت القنطرة فخذ على يمينك وهو مشتق من اليمن واذهب إلى سكة النعيمة، وهو مشتق من النعيم فاسكن دار ابن المعافى، وهو مشتق من العافية فخالفته لتعسي ونحسي، فشاورت صديقنا جعفرا، وهو مشتق من الجوع والفرار. فقال: إذا جئت القنطرة فخذ على شمالك، وهو مشتق من الشؤم، واسكن دار ابن قلابة وهي هذه، لا جرم قد انقلبت بي الدنيا، وأضر ما علي العصافير في هذه السدرة تصيح سيق سيق، فها أنا في السياق، ثم أنشدني:
أبا عثمان أنت قريع قومك
وجودك للعشيرة دون لومك
تمتع من أخيك فما أراه
يراك ولا تراه بعد يومك
وألح به البول، فقلت له: البول ملح بك. فقال:
غدا ينقطع البول
ويأتي الويل والعول
ألا إن لقاء الله
هول دونه الهول
ومات من الغد، فأرجو أن يكون هذا القول توبة له، مما كان اعتقده من ذبحه نفسه، والرسول - عليه الصلاة والسلام - يقول: «من وجأ نفسه بحديدة حشر يوم القيامة وحديدته بيده يجأ بها نفسه خالدا مخلدا في النار، من تردى من شاهق حشر يوم القيامة يتردى على منخريه في النار خالدا مخلدا، من تحسى سما حشر يوم القيامة، وسمه بيده يتحساه خالدا مخلدا في النار.»
قال الحسن بن رجاء الكاتب: جاءني أبو تمام إلى خراسان، فبلغني أنه لا يصلي، فوكلت به من لازمه أيامه، فلم يره صلى يوما واحدا فعاتبته. فقال: يا مولاي قطعت إلى حضرتك من بغداد فاحتملت المشقة وبعد الشقة ولم أره يثقل علي، فلو كنت أعلم أن الصلاة تنفعني وتركها يضرني ما تركتها، فأردت قتله فخشيت أن يحمل على غير هذا.