وفي تآريخ كثيرة أنه أحضر المازيار إلى المعتصم، وقبل قدومه بيوم سخط على الأفشين؛ لأن القاضي ابن أبي داود قال للمعتصم: أغرل ويطأ امرأة عربية، وهو كاتب المازيار وزين له العصيان، فأحضر كاتبه وتهدده المعتصم، فأقر أنه كتب إلى المازيار لم يكن في الأرض، ولا في العصر بلية إلا أنا وأنت وبابك، وقد كنت حريصا على حقن دمه، حتى كان من أمره ما كان ولم يبق غيري وغيرك، وقد توجه إليك عسكر من عساكر القوم؛ فإن هزمته وثبت أنا بملكهم في قرار داره، فظهر الدين الأبيض فأجابه المازيار بجواب هو عنده سفط أحمر، فجمع بين الأفشين والمازيار، فاعترف المازيار بما حكى عنه، وقيل للمعتصم: إن وراء المازيار مالا جليلا، فأنشد:
إن الأسود أسود الغاب همتها
يوم الكريهة في المسلوب لا السلب
ذكروا أن اثنين قتلوا ثلاثة آلاف ألف وخمسمائة ذبحا بالثياب الحمر، والخناجر الطوال وأنهم وجدوا أسماءهم في وقعة وقعة وفي بلد بلد. وكانوا يأخذون من كل واحد علامة خاتمه، أو ثوبه أو منديله أو تكته أتى الوادي فطم على القرى.
قد لقيت من يجادلني أن عليا - رضي الله عنه - وكذلك الحاكم، وقد ظهر بالبصرة من يدعي أنه جعفر بن محمد - عليهما السلام - وأنه متصل به، وروحه فيه ومتصلة به. ولو استقصيت القول في هذا الفن لطال جدا، ولكن:
لا بد للمصدور أن ينفثا
وللذي في الصدر أن يبعثا
بل لو قلت كل ما أعلمه أكلت زادي في محبسي، بل كنت أنشد:
أحمل رأسا قد ملك حمله
ألا فتى يحمل عني ثقله وأستريح
إلى أن أنشد:
ليس يشفي كلوم غيري كلومي
ما به ما به وما بي ما بي
إن شكوت العصر وأحكامه، وذممت صروفه وأيامه شكوت من لا يشكى أبدا، وذممت من لا يرضي أحدا، شيمته اصطفاء اللئام، والتحامل على الكرام، وهمته رفع الخامل الوضيع، ووضع الفاضل الرفيع، إذا سمح بالحياء، فأبشر بوشك الاقتضاء، وإذا أعار، فأحسبه قد أغار، فما بين أن يقبل عليك مستبشرا، ويولي عنك متجهما مستشرا إلا كلمح البصر واستطارة الشرر، لم يخترق ذكر الوفاء مسامعه، ولم يمسس ماء الحياء مدامعه، ظاهره يسر ويؤنس، وباطنه يسوء ويؤيس، يخيب ظن راجيه، ويكذب أمل عافيه، لا يسمع الشكوى، ويشمت بالبلوى، قد ذممت سيئا، ووقعت فيه أنا كالغريق يطلب معلقا، والأسير يندب مطلقا، واستحسن قول علي بن العباس بن جريج الرومي:
ألا ليس شيبك بالمنتزع
فهل أنت عن غيه مرتدع؟
وهل أنت تارك شكوى الزما
ن إذا شئت تشكو إلى مستمع؟
فشيب أخي الشيب أمنية
إذا ما تناهر إليها هلع
كنت في حال الحداثة أقرب الناس إلي وأعزهم علي، وأقربهم عندي وأجلهم في نفسي مرتبة، من قال لي نسأ الله في أجلك، جعل الله لك أمد الأعمار وأطولها، فلما بلغت عشر الثمانين جاء الجزع والهلع، فمم أرتاع وألتاع وأخلد إلى الأطماع؛ وهو الذي كنت أتمنى، ويتمنى لي أهلي؟ أمن صدوف الغواني عني، فأنا - والله - عنهن أصدف وبهن وأدوائهن أعرف؛ إذ لست ممن ينشد تحسرا عليهن:
للسود في السود آثار تركن بها
لمعا من البيض تثني أعين البيض
وقول الآخر:
ولما رأيت النسر عز ابن داية
وعشش في وكريه جاشت له نفسي
ولا أنشد لأبي عبادة البحتري:
أن أيامه من البيض بيض
ما رأين المفارق السود سودا
وإذا المحل ثار ثاروا غيوثا
وإذا النقع ثار ثاروا أسودا
يحسن الذكر عنهم والأحادي
ث إذا حدث الحديد الحديدا
بلدة تنبت المعالي فما يث
غر الطفل فيهم أو يسودا
وهذه صفة معرة النعمان - به أدام الله تأييده - لا خلت منه، ومن النعمة عليه وعنده، فقد وجدت أهلها معترفين بعوارفه، خلا أبي العباس أحمد بن خلف الممتع أدام الله عزه؛ فإني وجدت آثار تفضله عليه ظاهرة، ولسانه رطبا بشكره وذكره، وقد ملأ السماء دعاء والأرض ثناء.
قالت قريش للنبي - عليه الصلاة والسلام: أتباعك من؟! هؤلاء الموالي: كبلال، وعمار، وصهيب، خير من قصي بن كلاب، وعبد مناف، وهاشم، وعبد شمس؟! فقال: نعم والله لئن كانوا قليلا ليكثرن، ولئن كانوا وضعاء ليشرفن حتى يصيروا نجوما يهتدى بهم ويقتدى، فيقال: هذا قول فلان، وذكر فلان، فلا تفاخروني بآبائكم الذين موتوا في الجاهلية، فلما يدهده الجعل بمنخره خير من آبائكم الذين ماتوا فيها فاتبعوني أجعلكم أنسابا، والذي نفسي بيده لتقتسمن كنوز كسرى وقيصر. فقال له عمه أبو طالب: أبق علي وعلى نفسك، فظن - عليه الصلاة والسلام - أنه خاذله ومسلمه. فقال: يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته، ثم استعبر باكيا، ثم قام فلما ولى ناداه: أقبل يا بن أخي فأقبل. فقال: اذهب وقل ما شئت فوالله لا أسلمتك لسوء أبدا، فكان - عليه الصلاة والسلام - يذكر يوما ما لقي من قومه من الجهد والشدة، قال: لقد مكثت أياما وصاحبي هذا - يشير إلى أبي بكر - بضع عشرة ليلة ما لنا طعام إلا البرير في شعب الجبال.