فإن الذي حدثته من لقائنا
أحاديث طسم تترك العقل واهيا
ورمى المصحف بالنشاب وخرقه. وقال:
إذا ما جئت ربك يوم حشر
فقل يا رب خرقني الوليد
وأنفذ إلى مكة بناء مجوسيا ليبني له على الكعبة مشربة، فمات قبل تمام ذلك، فكان الحجاج يقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك يا قاتل الوليد بن يزيد لبيك. وأحضر بنابجة من ذهب، وفيها جوهرة جليلة القدر، صورة رجل، فسجد له وقبله. وقال: اسجد يا علج: قلت: ومن هذا؟ قال: هذا ماني شأنه كان عظيما اضمحل أمره لطول المدة، فقلت: لا يجوز السجود إلا لله. فقال: قم عنا وكان يشرب على سطح وبين يديه باطية كبيرة بلور وفيها أقداح. فقال لندمائه: أين القمر الليلة؟ فقال بعضهم: في الباطية. فقال: صدقت أتيت على ما في نفسي، والله لأشربن الهفتجة يعني: شرب سبعة أسابيع متتابعة. وكان بموضع حول دمشق، يقال له البحرا: فقال:
تلعب بالنبوة هاشمي
بلا وحي أتاه ولا كتاب
فقتل بها، ورأيت رأسه في الباطية التي أراد أن يهفتج بها.
وأبو عيسى بن الرشيد القائل:
دهاني شهر الصوم لا كان من شهر
ولا صمت شهرا بعده آخر الدهر
ولو كان يعديني الإمام بقدره
على الشهر لاستعديت دهري على الشهر
عرض له في وقته صرع فمات، ولم يدرك شهرا غيره - والحمد لله.
والجنابي قتل بمكة ألوفا وأخذ ستة وعشرين ألف حمل خفا، وضرب آلاتهم وأثقالهم بالنار، واستملك من النساء والغلمان والصبيان من ضاق بهم الفضاء كثرة ووفورا، وأخذ حجر الملتزم وظن أنها مغناطيس القلوب، وأخذ الميزاب قال: وسمعت قائلا يقول لغلام دحسمان طوال يرفل في برديه وهو فوق الكعبة: يا رخمة اقلعه وأسرع، يعني ميزاب الكعبة فعلمت أن أصحاب الحديث صحفوه. فقالوا: يقلعه غلام اسمه رحمة، كما صحفوا على علي - رضي الله عنه - قوله: «تهلك البصرة بالريح.» فهلكت بالزنج؛ لأنه قتل علوي البصرة في موضع بها يقال له: العقيق أربعة وعشرين ألفا عدوهم بالقصب وحرق جامعها، وقال في خطبته يخاطب الزنج: إنكم قد أعنتم بقبح منظر، فاشفعوه بقبح مخبرا، اجعلوا كل عامر قفرا وكل بيت قبرا.
قال لي بدمشق أبو الحسين اليزيدي الوزير بن علي نسب جدي دخل وإياه أدعي، قال أبو عبد الله محمد بن علي بن رزام الطائي الكوفي: كنت بمكة وسيف الجنابي قد أخذ الحاج، ورأيت رجلا منهم قد قتل جماعة، وهو يقول: يا كلاب أليس قال لكم محمد المكي، ومن دخله كان آمنا، أي أمن هنا؟ فقلت له: يا فتى العرب تؤمنني سيفك أفسر لك هذا؟ قال: نعم، قلت: فيها خمسة أجوبة: الأول: ومن دخله كان آمنا من عذاب يوم القيامة، والثاني: من الفرض الذي فرضت عليه، والثالث: خرج مخرج الخبر وهو يريد الأمر كقوله:
والمطلقات يتربصن بأنفسهن (البقرة: 228)، والرابع: لا يقام عليه الحد فيه إذا جنى في الحل، والخامس من الله عليهم بقوله:
أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم (العنكبوت: 67). فقال: صدقت هذه اللحية، ألي توبة؟ فقلت: نعم، فخلاني وذهب.
والحسين بن منصور الحلاج من نيسابور، وقيل: من مرو، يدعي كل علم وكان متهورا جسورا يروم إقلاب الدول، ويدعي فيه أصحابه الإلهية، ويقول بالحلول ويظهر مذاهب الشيعة للملوك ومذاهب الصوفية للعامة، وفي تضاعيف ذلك يدعي أن الإلهية قد حلت فيه، وناظره علي بن عيسى الوزير فوجده صفرا من العلوم. وقال: تعلمك لطهورك وفرضك أجدى عليك من رسائل أنت لا تدري ما تقول فيها، كم تكتب إلى الناس تبارك ذو النور الشعشعاني الذي يلمع بعد شعشعته، ما أحوجك إلى أدب. حدثني أبو علي الفارسي، قال: «رأيت الحلاج واقفا على حلقة أبي بكر الشبلي ... أنت بالله ستفسد خشبة ، فنفص كمه في وجهه وأنشد:
يا سر سر يدق حتى
يجل عن وصف كل حي
وظاهرا باطنا تبدى
من كل شيء لكل شي
يا جملة الكل لست غيري
فما اعتذاري إذن إلي