أذم إلى هذا الزمان أهيله
صغرهم تصغير تحقير غير تكبير، وتقليل غير تكثير، فنفث مصدورا وأظهر ضمير مستورا وهو سائغ في مجال الشعر، وقائله غير ممنوع من النظم والنثر، ولكنه وضعه غير موضعه وخاطب به غير مستحقه وما يستحق زمان ساعده بلقاء سيف الدولة أن يطلق على أهله الذم، وكيف وهو القائل يخاطبه:
أسير إلى إقطاعه في ثيابه
على طرفه من داره بجسامه
وقد كان من حقه أن يجعلهم في خفارته؛ إذ كانوا منسوبين إليه ومحسوبين عليه، ولا يجب أن يشكو عاقلا ناطقا إلى غير عاقل ولا ناطق؛ إذ الزمان حركات الفلك إلا أن يكون ممن يعتقد أن الأفلاك تعقل وتعلم وتفهم وتدري بمواقع أفعالها بقصود وإرادات، ويحمله هذا الاعتقاد على أن يقرب لها القرابين ويدخن الدخن فيكون مناقضا لقوله:
فتبا لدين عبيد النجوم
ومن يدعي أنها تعقل
أو يكون كما قال تعالى في كتابه الكريم:
مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء (النساء: 143) ويوشك أن تكون هذه صفته.
حكى القطربلي وابن أبي الأزهر في تأريخ اجتمعا على تصنيفه، وأهل بغداد وأهل مصر يزعمون أنه لم يصنف في معناه مثله، لصغر حجمه وكبر علمه يحكيان فيه أن المتنبي أخرج ببغداد من الحبس إلى مجلس أبي الحسن علي بن عيس الوزير - رحمه الله - فقال له: أنت أحمد المتنبي. فقال: أنا أحمد النبي وكشف عن بطنه فأراه سلعة فيه. وقال: هذا طابع نبوتي وعلامة رسالتي، فأمر بقلع جمشكه وصفعه به خمسين، وأعاده إلى محبسه، ويقول لسيف الدولة:
وتغضبون على من نال رفدكم
حتى يعاقبه التنغيص والمنن
كذب والله؛ لقد كان يتحرش بالمكارم ويتحكك بها، ويحسد عليها أن تكون إلا منه وبه، وهذا غير قادح في طلاوة شعره ورونق ديباجته، ولكني أغتاظ على الزنادقة والملحدين الذين يتلاعبون بالدين ويرومون إدخال الشبه والشكوك على المسلمين، ويستعذبون القدح في نبوة النبيين - صلوات الله عليهم أجمعين - ويتطرفون ويبتذئون إعجابا بذلك المذهب:
تيه مغن وظرف زنديق
وقتل المهدي بشارا على الزندقة ولما شهر بها وخاف دافع عن نفسه بقوله:
يا ابن نهيا رأسي علي ثقيل
واحتمال الرأسين عبء ثقيل
فادع غيري إلى عبادة ربي
ن فإني بواحد مشغول
وأحضر صالح بن عبد القدوس وأحضر النطع والسياف. فقال: علام تقتلني؟ قال: على قولك:
رب سر كتمته فكأني
أخرس أو ثنى لساني عقل
ولو اني أظهرت للناس ديني
لم يكن لي في غير حبسي أكل
يا عدو الله وعدو نفسه:
الستر دون الفاحشات ولا
يلقاك دون الخير من ستر
فقال: قد كنت زنديقا، وقد تبت عن الزندقة، قال: كيف وأنت القائل:
والشيخ لا يترك عاداته
حتى يوارى في ثرى رمسه
إذا ارعوى عاد إلى غيه
كذي الضنى عاد إلى نكسه
وأخذ غفلته السياف، فإذا رأسه يتدهدأ على النطع، وظهر في أيامه في بلد خلف بخارى وراء النهر رجل قصار أعور، عمل له وجها من ذهب، وخوطب برب العزة وعمل لهم قمرا فوق جبل ارتفاعه فراسخ فأنفذ المهدي إليه، فأحيط به وبقلعته فحرق كل شيء فيها وجمع كل من في البلد وسقاهم شرابا مسموما، فماتوا بأجمعهم، وشرب فلحق بهم وعجل الله بروحه إلى النار.
والصناديقي في اليمن فكانت جيوشه بالمديخرة وسفهنه، وخوطب بالربوبية وكوتب بها، فكانت له دار إفاضة يجمع إليها نساء البلدة كلها ويدخل الرجال عليهن ليلا، قال من يوثق بخبره دخلت إليها لأنظر، فسمعت امرأة تقول: يا بني. فقال: يا أمه نريد أن نمضي أمر ولي الله فينا. وكان يقول: إذا فعلتم هذا لم يتميز مال من مال، ولا ولد من ولد، فتكونون كنفس واحدة! فغزاه الحسني من صنعاء فهزمه وتحصن منه في حصن هناك، فأنفذ إليه الحسني طبيبا بمبضع مسموم ففصده به فقتله، والوليد بن يزيد أقام في الملك سنة وشهرين وأياما، وهو القائل:
إذا مت يا أم الحنيكل فانكحي
ولا تأملي بعد الفراق تلاقيا