تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأنا أسأل الله على التداني والنوى والبعاد إمتاعه بالفضل الذي استعلى على عاتقه وغاربه، واستولى على مشارقه ومغاربه، فمن مر على بحره الهياج، ونظر في لآلئ بدره الوهاج؛ خليق بأن يكبو قلمه بأنامله وينبو طبعه عن رسائله إلا أن يلقي إليه بالمقاليد، أو يستوهبه إقليدا من الأقاليد، فيكون منسوبا إليه، ومحسوبا عليه، ونازلا في شعبه، وأحد أصحابه وحزبه، وشرارة ناره، وقراضة ديناره، وسمك بحره، وثمد غمره، وهيهات ضاق فتر عن مسير.

ليس التكحل في العينين كالكحل، خلقوا أسخياء لا متساخين وليس السخي من يتساخى، لا سيما وأخلاق النفس تلزمها لزوم الألوان للأبدان، لا يقدر الأبيض على السواد، ولا الأسود على البياض، ولا الشجاع على الجبن، ولا الجبان على الشجاعة، قال أبو بكر العرزمي:

يفر جبان القوم عن أم رأسه

ويحمي شجاع القوم من لا يناسبه

ويرزق معروف الجواد عدوه

ويحرم معروف البخيل أقاربه

ومن لا يكف الجهل عمن يوده

فسوف يكف الجهل عمن يواثبه

ومن أين للضباب صوب السحاب، وللغراب هوى العقاب؟! وكيف وقد أصبح ذكره في مواسم الذكر آذانا، وعلى معالم الشكر لسانا، فمن دافع العيان، وكابر الإنس والجان، واستبد بالإفك والبهتان؛ كان كمن صالب بوقاحته الحجر، وحاسن بقباحته القمر، وهذى وهذر، وتعاطى فعقر. وكان كمحموم بلسم فعفر، ونادى على نفسه بالنقص في البدو والحضر. وكان كما قال من يعنيه، ولا يشك فيه:

كناطح صخرة يوما ليفلقها

فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

وروي أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

وزاده شرفا لديه قال: «لعن الله ذا الوجهين، لعن الله ذا اللسانين، لعن الله كل شقار، لعن الله كل قتات.»

وردت حلب ظاهرها - حماها الله تعالى وحرسها - بعد أن منيت بربضها بالدرخمين وأم حبوكرى والفتكرين، بل رميت بآبدة الآباد والداهية الناد، فلما دخلتها بعد ولم تستقر بي الدار، وقد نكرتها لفقدان معرفة وجار وأنشدتها باكيا:

إذا زرت أرضا بعد طول اجتنابها

فقدت حبيبا والبلاد كما هيا

كان أبو القطران المرار بن سعيد الفقعسي يهوى ابنة عمه بنجد، واسمها وحشية فاهتداها رجل شامي إلى بلده، فغمه بعدها وساءه فراقها. فقال من قصيدة:

إذا تركت وحشية النجد لم يكن

لعينيك مما تبكيان طبيب

رأى نظرة منها فلم يملك البكا

معاوز يربو تحتهن كثيب

وكانت رياح الشام تكره مرة

فقد جعلت تلك الرياح تطيب

فحصلت من الرباح على الرياح، كما حصل لأبي القطران من وحشية ثم وثم وثم وثم أجرى ذكره أدام الله تأييده من غير سبب جره، وغير مقتض اقتضاه. فقال الشيخ بالنحو أعلم من سيبويه وباللغة والعروض من الخليل، فقلت - والمجلس يأزر بلغني أنه - أدام الله تأييده - يصغر كبيره ويتزر صغيره، فيصير تصغيره تكبيرا وتحقيره تكثيرا، وهكذا شاهدت من شاهدت من العلماء - رحمهم الله أجمعين وجعله وارث أطول أعمارهم وأمدها وأنضرها وأرغدها - وما ثم له حاجة دعت إلى هذا قد تفتح النور، وتوضح النور وأضاء الصبح لذي عينين.

كان أبو الفرج الزهرجي كاتب حضرة نصر الدولة - أدام الله حراسته - كتب رسالة إلي أعطانيها ورسالة إليه - أدام الله تأييده - استودعنيها وسألني إيصالها إلى جليل حضرته، وأكون نافثها لا باعثها ومعجلها لا مؤجلها، فسرق عديلي رحلا لي الرسالة فيه، فكتبت هذه الرسالة أشكو أموري وأبث شقوري وأطلعه طلع عجري وبجري، وما لقيت في سفري من أقوام يدعون العلم والأدب، والأدب أدب النفس لا أدب الدرس، وهم أصفار منهما جميعا، ولهم تصحيفات كنت إذا رددتها عليهم نسبوا التصحيف إلي، وصاروا إلبا علي، لقيت أبا الفرج الزهرجي بآمد ومعه خزانة كتبه فعرضها علي، فقلت: كتبك هذه يهودية قد برئت من الشريعة الحنيفية، فأظهر من ذلك إعظاما وإنكارا، فقلت له: أنت على المجرب ومثلي لا يهرف بما لا يعرف، وأبلغ تيقن فقرأ هو وولده. وقال: صغر الخبر الخبر وكتب إلي رسالة يقرظني فيها بطبع له كريم وخلق غير ذميم، قال المتنبي:

رسائل البلغاء · الصفحة ٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ٧٤