تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عمرو بن عبيد ما البلاغة؟ فقال: ما بلغك الجنة وعدل بك عن النار، وما بصرك بمواقع رشدك وعواقب غيك. فقال السائل: ليس هذا أريد. فقال: من لم يحسن أن يسكت لم يحسن أن يسمع، ومن لم يحسن الاستماع لم يحسن القول، قال: ليس هذا أريد. قال النبي - عليه الصلاة والسلام: إنا معاشر الأنبياء بكاؤون. وكانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله. فقال له السائل: ليس هذا أريد، قال: كانوا يخافون من فتنة السكوت وسقطات الصمت. فقال: ليس هذا أريد. فقال: فكأنك إنما تريد تخير اللفظ في حسن إفهام؟! إنك أردت تقرير حجة الله في عقول المكلفين، وتخفيف المؤنة عن المستمعين، وتزيين تلك المعاني في قلوب المريدين بالألفاظ المستحسنة في الآذان المقبولة عند الأذهان، رغبة في سرعة استجابتهم، ونفي الشواغل عن قلوبهم بالموعظة الحسنة على الكتاب والسنة، كنت قد أوتيت فصل الخطاب، واستوجبت من الله - سبحانه - جزيل الثواب.

الخليل بن أحمد: كل ما أدى إلى قضاء الحاجة فهو بلاغة، فإن استطعت أن يكون لفظك لمعناك طبقا، ولتلك الحال وفقا، وآخر كلامك لأوله مشابها وموارده لمصادره موازنا فافعل، واحرص أن تكون لكلامك متهما وإن ظرف، ولنظامك مستريبا وإن لطف بمواتاة آلتك لك، وتصرف إرادتك معك، فافعل، إن شاء الله.

وهذه الرسالة عذراء؛ لأنها بكر معان لم تفترعها بلاغة الناطقين، ولا لمستها أكف المفوهين، ولا غاصت عليها فطن المتكلمين، ولا سبق إلى ألفاظها أذهان الناطقين، فاجعلها مثالا بين عينيك ومصورة بين يديك، ومسامرة لك في ليلك ونهارك تهطل عليك شآبيب منافعها، ويظلك منها بركاتها وتوردك مناهل بلاغاتها، وتدل على مهيع رشدها وتصدرك، وقد نقع ظمؤك بينابيع بحر إحسانها إن شاء الله - عز وجل - والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

القسم الرابع

| رسالة ابن القارح إلى أبي العلاء المعري

| توطئة للناشر

ظفرنا بهذه الرسالة في خزانة كتب أستاذنا الشيخ طاهر الجزائري، كتبه أبو حسن علي بن منصور الحلبي المعروف بابن القارح إلى أبي العلاء المعري، فأجاب عنها هذا في رسالة خاصة سماها رسالة الغفران طبعت بمصر (سنة 1321ه/1903م) في مطبعة هندية، أما ابن القارح وكان يلقب بدوخلة، فكان شيخا من أهل الأدب راوية للأخبار حافظا لقطعة كبيرة من اللغة والأشعار قئوما بالنحو. وكان ممن خدم أبا علي الفارسي في داره وهو صبي، ثم لازمه وقرأ عليه وكانت معيشته التعليم بالشام ومصر.

قال ابن عبد الرحيم: وشعره يجري مجرى شعر المعلمين قليل الحلاوة خال من الطلاوة، وكان آخر عهدي به بتكريت في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة؛ فإنا كنا مقيمين بها واجتاز بنا وأقام عندنا مدة، ثم توجه إلى الموصل فبلغتني وفاته من بعد. وكان يذكر أن مولده بحلب سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة. قال ياقوت: وعلي بن منصور هذا يعرف بابن القارح، وهو الذي كتب إلى أبي العلاء المعري الرسالة المعروفة برسالة ابن القارح، فأجابه أبو العلاء برسالة الغفران، وذكر اسمه فيها.

| رسالة ابن القارح إلى أبي العلاء المعري

بسم الله الرحمن الرحيم

استفتاحا باسمه، واستنجاحا ببركته، والحمد لله المبتدي بالنعم المنفرد بالقدم، الذي جل عن شبه المخلوفين، وصفات المحدثين، ولي الحسنات، المبرأ من السيئات، العادل في أفعاله، الصادق في أقواله، خالق الخلق ومبديه، ومبقيه ما شاء ومفنيه، وصلواته على محمد وأبرار عترته وأهليه صلاة ترضيه، وتقربه وتدنيه وتزلفه وتحظيه.

كتابي - أطال الله بقاء مولاي الشيخ الجليل ومد مدته، وأدام كفايته وسعادته وجعلني فداءه وقدمني قبله - على الصحة والحقيقة، وبعد القصد والعقيدة وليس على مجاز اللفظ ومجرى الكتابة، ولا على تنقص وخلابة وتحبب ومسامحة، ولا كما قال بعضهم - وقد عاد صديقا له: كيف تجدك، جعلني الله فداك، وهو يقصد تحببا ويريد تملقا ويظن أنه قد أسدى جميلا يشكره صاحبه إن نهض واستقل، ويكافئه عليه إن أفاق وأبل عن سلامة تمامها بحضور حضرته وعافية نظامها بالتشرف بشريف عزته، وميمون نقيبته وطلعته، ويعلم الله الكريم - تقدست أسماؤه - أني لو حننت إليه، أدام الله تأييده حنين الواله إلى بكرها، وذات الفرخ إلى وكرها، أو الحمامة إلى إلفها، أو الغزالة إلى خشفها؛ لكان ذلك مما تغيره الليالي والأيام، والعصور والأعوام، لكنه حنين الظمآن إلى الماء، والخائف إلى الأمن والسليم إلى السلامة، والغريق إلى النجاة، والقلق إلى السكون، بل حنين نفسه النفيسة إلى الحمد والمجد؛ فإني رأيت نزاعها إليهما نزاع الأسطقسات إلى عناصرها، والأركان إلى جواهرها؛ فإن وهب الله لي مليا من العمر يؤنسني برؤيته، ويعلقني بحبل مودته، مرت كساري الليل ألقى عصاه، وأحمد مسراه، وقر عينا، ونعم بالا. وكان كمن لم يمسه سوء ولم يتخوفه عدو، ولا نهكه رواح ولا غدو، وعسى الله أن يمن بذلك بيومه، أو بثانيه وبه الثقة.

رسائل البلغاء · الصفحة ٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ٧٣