تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ورفع القلم خاشع الطرف، صغير الخطر، لئيم الجنس، درج من عش التجار، ونشأ بين المكيال والميزان، كيف أشالت البلاغة بضبعيه، ورفعت من ناظريه، حتى شافهت به عنان السماء، ورفعت بناءه فوق البناء، حتى طلبه الراكب، وقصده الطالب، وخشعت له الرجال، ولحظته العيون بالوقار، وتمكن من الصنائع، ومدت نحوه الأصابع، فشكرت منه اللفظة، ورجيت منه اللحظة، كمحمد بن عبد اللمك بن الزيات، وفيه يقول علي بن الجهم:

أحسن من عشرين بيتا سدا

جمعك معناهم في بيت

ما أحوج الملك إلى مطرة

تغسل عنه وضر الزيت

فأجابه محمد بن عبد الملك:

رقيت في القول إلى خطة

قدرك فيها قد تعديت

قيرتم الملك فلم ننقه

حتى غسلنا القار بالزيت

ومدحه حبيب بن أوس يمدحه، ويصف قلمه:

لك القلم الأعلى الذي بثباته

تصاب من الأمر الكلى والمفاصل

وكان محمد من ألطف الناس ذهنا، وأرقهم طبعا، وأصدقهم حسا، وأرشقهم قلما، وأملحهم إشارة، إذا قال أصاب، وإذا كتب أبلغ، وإذا أشعر أحسن، وإذا اختصر أغنى عن الإطالة، أمره الواثق أن يتلطف بعبد الله بن طاهر، ويعلمه أنه صرفه عن أمر الجزائر والعواصم، وفوض ذلك لابن عمه إسحاق بن إبراهيم، فكتب أما بعد: فإن أمير المؤمنين رأى أن يخلع ما في يمينك من أمر الجزائر والعواصم فيجعله في شمالك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

سهل بن بركة يهجو أبا نوح النصراني الكاتب. فقال:

بأبي وأمي ضاعت الأحلام

أم ضاعت الأذهان والأفهام

من صد عن دين النبي محمد

أله بأمر المسلمين قيام

إلا تكن أسيافهم مشهورة

فينا فتلك سيوفهم أقلام

قال عبد الرحمن بن كيسان: استعمال الكلام أجدر بإحضار الذهن عند تصحيح الكتاب من استعمال اللسان على تصحيح الكلام، ولم يختلف في شرف القلم، وإنما اختلف في كيفية البلاغة وماهيتها، وقد مدحها كل قوم بأوضح عبارتهم، وأحسن بيانهم. فقال صاحب اليونانيين: البلاغة تصحيح الأقسام واختيار الكلام.

الرومي:

البلاغة وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة، وحسن الإشارة.

الفارسي:

هي معرفة الفصل من الوصل.

الهندي:

هي البصر بالحجة، والمعرفة بمواضع الفرصة، ثم أن يدع الإفصاح بها إلى الكناية عنها، إذا كان الإفصاح أوعر طريقا، وربما كان الإطراق عنها أبلغ في الدرك وأحق بالظفر.

غيره:

جماع البلاغة التماس حسن الموقع والمعرفة بساعات القول، وقلة الحذق بما التبس من المعاني وغمض، وبما شرد عليك من اللفظ وتعذر، ثم قال: وزين ذلك كله وبهاؤه وحلاوته أن تكون الشمائل معتدلة، والألفاظ موزونة واللهجة نقية؛ فإن جامع ذلك السن والسمت والجمال وطول الصمت، فقد تم كل التمام.

وقيل لهندي: ما البلاغة؟ فأخرج صحيفة مكتوبة عندهم فيها أول البلاغة احتمال آلة البلاغة، وذلك أن يكون البليغ رابط الجأش ساكن الجوارح، قليل اللحظ متخير اللفظ، لا يكلم سيد الأمة بكلام الأمة، ولا الملوك بكلام السوقة، ويكون في قواه فضل للتصرف في كل طبقة، ولا يدقق المعاني كل التدقيق، ولا ينقح الألفاظ كل التنقيح، ويصعبها كل التصعبة، ويهذبها غاية التهذيب، ولا يكون كذلك حتى يصادف فيلسوفا حكيما عليما، ومن قد تعود حذف فضل الكلام، وأسقط مشترك اللفظ.

أنوشروان لبزرجمهر: متي يكون العيي بليغا؟ فقال: إذا وصف بليغا.

أرسطاطاليس: البلاغة حسن الاستعارة.

بشر بن خالد: البلاغة التقرب من المعنى البعيد، والتباعد عن خسيس الكلام، والدلالة بالقليل على الكثير.

خالد بن صفوان: ليس البلاغة بخفة اللسان، ولا بكثرة الهذيان، ولكنها إصابة المعنى، والقرع بالحجة.

عمر بن عبد العزيز: البليغ من إذا وجد كثيرا ملأه، وإذا وجد قليلا كفاه، ابن عتبة: البلاغة دنو المآخذ وقرع الحجة والاستغناء بالقليل عن الكثير . بعضهم: إني لأكره للإنسان أن يكون مقدار لسانه فاضلا عن مقدار عقله، كما أكره أن يكون مقدار عقله فاضلا عن مقدار لسانه وعلمه، يكفي من حظ البلاغة ألا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق، ولا يؤتى الناطق من سوء فهم السامع.

رسائل البلغاء · الصفحة ٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ٧٢