الجاحظ كان لفظه في وزن إشارته، وطبعه في معناه في مطابقة معناه.
ذكر الحسن بن وهب أحمد بن يوسف. فقال: ما كنت أدري ألفظه آنق أم معناه، أو معناه أجزل أم لفظه؟ والمعاني وإن كانت كامنة في الصدور؛ فإنها مصورة فيها ومتصلة بها، وهي كاللآلئ المنظومة في أصدافها، والنار المخبوءة في أحجارها؛ فإن أظهرته من أكنانه وأصدافه تبين حسنه، وإن قدحت النار من مكانها وأحجارها انتفعت بها، وإلا بقيت محجوبة مستورة، وربما يستثار الكامن منها ويستخرج المستتر من جواهرها بقدر حذق المستنبط وصواب حركات المستخرج، وقصد إشارته ولطف مذاهبه، وكذلك ليس كل ناطق ولا كاتب يوضح عن المعنى ولا يصيب إشارته، وكلما كان الكلام أفصح والبيان أوضح، كان أدل على حسن وجه المعنى الخفي بالروح الخفي، واللفظ الظاهر بالجثمان الظاهر، وإذا لم ينهض بالمعنى الشريف لفظ شريف جزل، لم تكن العبارة واضحة ولا النظم متسقا، والدال على المعنى أربعة أصناف: لفظ وإشارة وعقد وخط ، وذكر أرسطاطاليس خامسا، وهي التي تسمى النصبة، وهي الحالة الدالة التي تقوم مقام تلك الأصناف الأربعة الناطقة بغير لفظ، والمشيرة إليه بغير يد، وذلك ظاهر في خلق السماوات والأرض، وفي كل صامت وناطق، وهي داخلة في جملة هذه المعاني الأربعة وخارجة منها بالحلية، ولكل واحد من هذه الدلائل صورة مخالفة لصورة صاحبتها، وحلية غير مشاكلة لحلية أختها، غير أنها - في الجملة - كاشفة عن أعيان المعاني، وأوضح هذه الدلائل صنفان منها: وهما اللسان والقلم، وكلاهما يترجمان ويدلان على القلب، ويستمليان منه ويؤديان عنه ما لا تؤدي هذه الأصناف الباقية.
وأما اللسان فهو الآلة التي يخرج الإنسان بها من حد الاستبهام إلى حد الإنسانية؛ ولذلك قال صاحب المنطق: حد الإنسان الحي الناطق، وإنما يبين عن الإنسان اللسان وعن المودة العينان، والله - سبحانه - رفع درجة اللسان فأنطقه من بين الجوارح بتوحيده، وما جعل الله من عبر عن شيء، مثل من لم يعبر عنه.
الأعور التيمي:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده
فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
وقال آخر:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما
جعل اللسان على الفؤاد دليلا
الطائي:
ومما كانت الحكماء قالت
لسان المرء من خدم الفؤاد
للخط صورة معروفة، وحلية موصوفة وفضيلة بارعة، ليست لهذه الأوصاف؛ لأنه ينوب عنها في الإيضاح عند المشهد ويفضلها في المغيب، وكفى بفضيلة العلم والخط قول الله - عز وجل:
الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم (العلق: 4، 5)، وأقسم به كما أقسم بغيره ثم أقسم بما يكتبه القلم إفصاحا عن حاله، وإعظاما لشأنه وتنبيها لذكره. فقال:
وما يسطرون (القلم: 1).
ومن فضيلة الخط: أنه لسان اليد، ورسول الضمير، ودليل الإرادة، والناطق عن الخواطر، وسفير العقول ووحي الفكر، وسلاح المعرفة، ومحادثة الأخلاء على التنائي، وأنس الإخوان عند الفرقة، ومستودع الأسرار، وديوان الأمور، وترجمان القلوب، والمعبر عن النفوس، والمخبر عن الخواطر، ومورث الآخر مكارم الأول والناقل إليه مآثر الماضي والمخلد له حكمته وعلمه، والمسامر للعين بسر القلب، والمخاطب عن الناصت، والمجادل عن الساكت، والمفصح عن الأبكم، والمتكلم عن الأخرس الذي تشهد له آثاره بفضائله، وأخباره بمناقبه، وقد وقعت البلاغة من العلم علو القدر، وباذخ العز: كأبي مسلم صاحب الدولة فرقت شمله، وبددت جمعه ونقضت برمه، وأفسدت صلاحه، وضعضعت بنيانه مع ذكائه وتفطنه، ومكايده ودهائه وأصالة رأيه وشدة شكيمته، وامتناعه على أبي جعفر ونفاره عنه، كيف استفزه ابن المقفع وصالح بن عبد القدوس وجبل بن يزيد واستمالوه بسحر ألفاظهم وبلاغة أقلامهم، حتى نزل من باذخ عزه وجاء مبادرا، حتى وقع في الشرك المنصوب له فتفرق جمعه، وانطفأ نوره وصار خبرا سائرا ورسما وأثرا.