تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإنما البلية فيمن إذا بينت له سوء نظمه واختياره، ووقفته على سخافة لفظه؛ هجرك وعاداك، فاجعل هذا الأصل ميزانا تزن به مذهبك في رسائلك وبلاغتك، ولا تخاطبن خاصا بكلام عام ولا عاما بكلام خاص، فمتى خاطبت أحدا بغير ما يشاكله، فقد أجريت الكلام غير مجراه وكشفته، وقصدك بالكلام الشريف للرجل الشريف، تنبيه لقدر كلامك ورفع لدرجته قال:

فلم أمدحك تفخيما لشعري

ولكني مدحت بك المديحا

فلا تخرجن كلمة حتى تزنها بميزانها، فتعرف تمامها ونظامها ومواردها ومصادرها، وتجنب - ما قدرت - الألفاظ الوحشية، وارتفع عن الألفاظ السخيفة، واقتضب كلاما بين الكلامين.

الجاحظ: ما رأيت قوما أمثل طريقة في البلاغة من هؤلاء الكتاب؛ فإنهم التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعرا وحشيا ولا ساقطا سوقيا.

وقال خالد بن صفوان: أبلغ الكلام ما لا يحتاج إلى كلام، وأحسنه ما لم يكن بالبدوي المغرب، ولا القروي المخدج، الذي صحت مبانيه، وحسنت معانيه، ودار على ألسن القائلين، وخف على آذان السامعين، ويزداد حسنا على ممر السنين بتجلية الرواة، وتنقية السراة، والكاتب المستحق اسم الكتابة والبليغ المحكوم له بالبلاغة؛ من إذا حاول صنعة كتاب سالت على قلمه عيون الكلام من ينابيعها، وظهرت من معادنها، وتدرب من مواطنها عن غير استكراه ولا اغتصاب.

حدثنا صديق للعتابي قال له: اعمل لي رسالة واستمده مرة بعد أخرى. فقال له: ما أرى بلاغتك إلا شاردة! فقال له العتابي: لما تناولت القلم تداعت علي المعاني من كل جهة فأحببت أن أترك كل معنى يرجع إلى موضعه ثم أجتبي لك أحسنها.

أملى يزيد بن عبد الله أخو دينار على كاتب له، وأعجل عليه الإملاك، فتعثر قلم الكاتب عن تقييد إملاله، فقال متحرشا: اكتب يا حمار. فقال الكاتب: أصلح الله الأمير إنه لما هطلت شآبيب الكلام، وتدافقت سيوله على حرف القلم كل القلم عن إدراك ما وجب عليه تقييده، فليتذكر الأمير عذري، فكان جوابه أبلغ من بلاغة يزيد، وكلما احلولى الكلام وعذب ورق وسهلت مخارجه، كان أسهل ولوجا في الأسماع، وأشد اتصالا بالقلوب وأخف على الأفواه، ولا سيما إذا كان المعنى البديع مترجما للفظ مونق شريف، ومعبرا بكلام مؤلف رشيق لم يشنه التكلف بميسمه، ولم يفسده التعقد باستهلاكه، كقول ابن أبي كريمة:

قفاه وجه حسن والذي

قفاه وجه يشبه الشمسا

فهجن المعنى بتوعر مخارج الحروف، وأخذه الحسن بن هاني فسهله، وقال:

بذ حسن الوجوه حسن قفاكا

وكلاهما من حسان حيث يقول:

قفاؤك أحسن من وجهه

وأمك خير من المنذر

وانظر إلى سلاسة الحسن بن سهل، حيث قال:

شرست بل لنت، بل قابلت ذاك بذا

فأنت لا شك فيك السهل والجبل

وكتب عيسى بن لهيعة كتابا إلى بعضهم، فعقد كلامه وجاز المقدار في التنطع، فوقع له:

أنى يكون بليغا

من اسمه كان عيا

وثالث الحرف منه

إذا كتبت مسيا

ودخل كاتب على مريض فوجده يئن، فخرج من عنده فوجد طائرا يقال له الشفانين بباب الطاق فاشتراه وبعث به إليه، وكتب كتابا يتنطع فيه ويذكر أنه يقال له الشفانين شفاء من الأنين. فأجابه: لو عطست ضبا لم تكن عندي إلا نبطيا، فاقصر عن بغضك وسهل كلامك، ومثله بمخلد الموصلي يهجو حبيب بن أوس الطائي:

أنت عندي عرني

عرني والسلام

شعر ساقيك وفخ

ذيك خزامى وتمام

وقفا تحلف ما إن

أعرقت فيه الكرام

أنا ما ذنبي أن الذ

نبي فيك الأنام

وسألني بعض أهل العلم أن أكتب له قصة إلى جعفر بن عبد الواحد القاضي، وقال: اكتب له قصة سهلة بليغة الألفاظ، فقلت له: دعني أكتب لك ما يصلح للقضاة، فغضب وقال: ما أسأل أن تعطيني شيئا إنما أسألك هذا المعنى الرخيص. فاحتملت عتبه لذمام، فكتبت له قصة لا تصلح أن تدفع إلا لرؤبة بن العجاج يقرأها، أو الطرماح، فلما حصلت بيد القاضي أراد قراءتها، فإذا هي مغلقة عليه. فقال له: أنت كتبت هذه القصة، قال: نعم، قال: إذن فاقرأها، فذهب ليقرأها، فإذا هي بالسودانية استعجاما عليه. فقال له: أصلح الله القاضي إنما أقرأها في بيتي. فقال له: فاطلب حاجتك إذن في بيتك، فرجع إلي غضبان أسفا يشتم ويؤذي وسألني أن أكتب له قصة على ما أرى، فكتبت له كتابا يشبه أن يكون من مثله إلى القضاة، فقرأها وقضى حاجته، وعلم أنه لم يكتب واحدة منهما. والكتاب إذا لم يكن شبيها بحاجة صاحبه كان أحد الأسباب المانعة، والمعاني كلها ممتثلة والكلام مشبعا، ولكن سياسته صعبة وتأليفه شديد إلا على جهابذته، وفرسانه أمراء الكلام يصرفونه كيف شاءوا، ولا يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه، ولفظه معناه، ويكون اللفظ الأسبق إلى الأسماع من معناه إلى القلوب.

رسائل البلغاء · الصفحة ٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ٧٠