على أن كلام العظماء المطبوعين ودرس رسائل المتقدمين على كل حال، مما يفتق اللسان ويوسع المنطق ويشحذ الطبع ويستثير كوامنه إن كانت فيه سجية.
قال العتابي: ما رأينا فيما تصرفنا فيه من فنون العلم، وجرينا فيه من صنوف الآداب شيئا أصعب مراما ولا أوعر مسلكا، ولا أدل على نقص الرجال ورجاحتهم، وأصالة الرأي وحسن التمييز منه، واختياره من الصناعة التي خطبتها، والمعنى الذي طلبته وليس شيء أصعب من اختيار الألفاظ وقصدك بها إلى موضعها؛ لأن اللفظة تكون أخت اللفظة وقسيمتها في الفصاحة والحسن ولا يحسن في مكان غيرها، وبتمييز هذه المعاني ومناسبة طبائع جهابذتها ومشاكلة أرواحهم، جعلوا الكتابة نسبا وقرابة، وأوجبوا على أهلها حفظها.
سهل بن وهب: الكتابة نفس واحدة تجزأت في أبدان مفترقة، ومن لم يعرف فضلها وجهل أهلها وتعدى بهم رتبتهم، التي وصفهم الله بها، فإنه ليس من الإنسانية في شيء.
قالت البرامكة: رسائل المرء في كتبه دليل على عقله وشاهد على غيبه، قال الشاعر:
وتنكر ود المرء في لحظ عينه
وتعرف عقل المرء حين تكاتبه
آخر:
وشعر الفتى يبدي غريزة طبعه
وبالكتب يبدو عقله وبلاغته
الشعبي: يعرف عقل الرجل إذا كتب وأجاب.
العتبي: عقول الناس مدونة في كتبهم. ابن المقفع: كلام الرجل وافد عقله.
وشبهت الحكماء المعاني بالغواني والألفاظ بالمعارض، فإذا كسا الكاتب البليغ المعنى الجزل لفظا رائقا، وأعاره مخرجا سهلا؛ كان للقلب أحلى وللصدر أملى، ولكنه بقي عليه أن ينظمه في سلكه مع شقائقه كاللؤلؤ المنثور الذي يتولى نظمه الحاذق، والجوهري العالم يظهر بإحكام الصنعة له حسنا هو فيه، ومنحه بهجة هي له، كما أن الجاهل إذا وضع بين الجوهرتين خرزة هجن نظمه وأطفأ نوره، كان حبيب بن أوس ربما وقع على جوهرة، فجعلها بين بعرتين. قال الشاعر:
ولو قرنت بدر فاخر خرزا
من الزجاج لقلنا بئسما نظما
والياقوت حسن، وهو في جيد الحسناء أحسن، وكذلك الشعر الجيد مونق، ولكنه من أفواه العظماء آنق، والتاج الشريف بهي المنظر، وهو على الملك أبهى، كما قال ابن الرقيات: «يعتدل التاج فوق مفرقه.»
قال أبو العتاهية لابن مناذر بلغني أنك تقول الشعر في الدهر والقصيدة في الشهر. فقال: نعم لو رضيت لنفسي أن أؤلف تأليفك وأقول: يا عتب يا درة الغواص؛ لقلت في اليوم والليلة ألف قصيدة.
وقال عمر بن لجأ لشاعر: أنا أشعر منك، قال: ولم؟ قال: لأنك تقول البيت وابن عمه وأنا أقول البيت وأخاه.
فإن منيت بحب الكتابة وصناعتها والبلاغة وتأليفها، وجاش صدرك بشعر معقود أو دعتك نفسك إلى تأليف الكلام المنثور، وتهيأ لك نظم هو عندك معتدل وكلام لديك متسق، فلا تدعونك الثقة بنفسك والعجب بتأليفك، أن تهجم به على أهل الصناعة؛ فإنك تنظر إلى تأليفك بعين الوالد لولده، والعاشق إلى عشيقه كما قال حبيب:
ويسيء بالإحسان ظنا لا كمن
هو بابنه وبشعره مفتون
ولكن أعرضه على البلغاء والشعراء والخطباء ممزوجا بغيره؛ فإن أصغوا إليه وأذنوا له وشخصوا بالأبصار واستعادوه وطلبوه منك وامتزج، فاكشف من تلك الرسالة والخطبة والشعر اسمه وانسبه إلى نفسك، وإن رأيت عنه العيون منصرفة والقلوب عنه واهية؛ فاستدل به على تخلفك عن الصناعة وتقاصرك عنها، واسترب رأيك عند رأي غيرك من أهل الأدب والبلاغة: فقد بلغني أن بعض الملوك دعا إنسانا إلى مؤانسته حتى ارتفعت الحشمة بينهما، فأخرج له كتابا قد غشاه بالجلود، وجمع أطرافه بالإبريسم وسوى ورقه وزخرف كتابته، وجعل يقرأ عليه كلاما قد حبره فيه ونمقه عند نفسه، وجعل يستحسن ما لا يحسن، ويقف على ما لا يستثقل قراءته، حتى أتى على الكتاب. فقال له: كيف رأيت ما قرأت عليك؟! فقال: أرى عقل صانع هذا الكلام أكثر من كلامه، ففطن له ولم يعاوده، إلى أن وقف به على تنور مسجور، ثم قذف بالكتاب في النار، وهذا رجل في عقله فضل، وفيه تمييز.