تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعبد الحميد هذا هو الذي يضرب به المثل في البلاغة حتى قيل: فتحت الرسائل بعبد الحميد وختمت بابن العميد. وكان أحمد بن يوسف يقول في رسائل عبد الحميد: ألفاظ محككة وتجارب محنكة. قال صاحب الوفيات: وكان في الكتابة، وفي كل فن من العلم والأدب، إماما، وهو من أهل الشام، وكان أولا معلم صبية يتنقل في البلدان وعنه أخذ المترسلون، ولطريقته لزموا ولآثاره اقتفوا، وهو الذي سهل سبيل البلاغة في الترسل ومجموع رسائله مقدار ألف ورقة.

وقال ابن نباتة: إنه البالغ إلى أعلى المراتب في الكتابة البليغة، يقال: إنه كان في أول عمره معلم صبيان بالكوفة، ثم اتصل بمروان الجعدي قبل أن يصل إلى الخلافة، وصحبه وانقطع إليه، فلما جاء الأمر بالخلافة سجد مروان وسجد أصحابه إلا عبد الحميد. فقال له مروان: لم لا سجدت؟ فقال: ولم أسجد على أن كنت معنا فطرت عنا؛ يعني بالخلافة. فقال: إذن تطير معي. قال: الآن طاب السجود. وسجد. وكان كاتب مروان طول خلافته.

وهو أول من أخذ التحميدات من فصول الكتب، واستعمل في بعض كتبه الإيجاز البليغ، وفي بعضها الإسهاب المفرط على ما اقتضاه الحال، فمن الإيجاز بعض عمال مروان أهدي إليه عبد أسود فأمره بالإجابة ذاما مختصرا، فكتب: «لو وجدت لونا شرا من السواد وعددا أقل من الواحد لأهديته.» وأما الإسهاب؛ فإنه لما ظهر أبو مسلم الخراساني بدعوة بني العباس كتب إليه عن مروان كتابا يستميله ويضمنه ما لو قرئ لأوقع الاختلاف بين أصحاب أبي مسلم. وكان من كبر حجمه يحمل على جمل، ثم قال لمروان: قد كتبت كتابا متى قرأه بطل تدبيره؛ فإن يك ذلك وإلا فالهلاك. فلما ورد الكتاب على أبي مسلم لم يقرأه وأمر بنار فأحرقه، وكتب على جزازة منه إلى مروان:

محا السيف أسطار البلاغة وانتحى

عليك ليوث الغاب من كل جانب

ولما اشتد الطلب على مروان وتتابعت هزائمه المشهورة قال لعبد الحميد: القوم محتاجون إليك لأدبك، وإن إعجابهم بك يدعوهم إلى حسن الظن بك؛ فاستأمن إليهم وأظهر الغدر بي؛ فلعلك تنفعني في حياتي أو بعد مماتي. فقال عبد الحميد:

أسر وفاء ثم أظهر غدرة

فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره

ثم قال: يا أمير المؤمنين، إن الذي أمرتني به أنفع الأمرين إليك وأقبحهما بي، ولكني أصبر حتى يفتح الله عليك، أو أقتل معك؛ فلما قتل مروان استخفى عبد الحميد فغمز عليه بالجزيرة عند ابن المقفع وكان صديقه، وفاجأهما الطلب وهما في بيت فقال الذين دخلوا: أيكما عبد الحميد؟ فقال كل واحد منهما: أنا؛ خوفا على صاحبه. إلى أن عرف عبد الحميد؛ فأخذ وسلمه السفاح إلى عبد الجبار صاحب شرطته فكان يحمي له طشتا ويضعه على رأسه، إلى أن مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وقيل: إنه قتل مع مروان في مصر.

قال المسعودي إنه رأى له عقبا بفسطاط مصر، يعرفون ببني مهاجر، وقد كان منهم عدة يكتبون لآل طولون. وكان أبو جعفر المنصور يقول: غلبنا بنو أمية بثلاثة أشياء: بالحجاج وعبد الحميد والمؤذن البعلبكي. وقيل لعبد الحميد: ما الذي مكنك من البلاغة؟ قال: حفظ كلام الأصلع، يعني: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه. وقيل له: أيما أحب إليك: أخوك أم صديقك؟ قال: إنما أحب أخي إذا كان صديقي. وقال: أكرموا الكتاب فإن الله تعالى أجرى الأرزاق على أيديهم. وقال: القلم شجرة ثمرتها الألفاظ، والفكر بحر لؤلؤه الحكمة. ومن كلامه: خير الكلام ما كان لفظه فحلا، ومعناه بكرا.

قال صاحب وفيات الأعيان: وكان كثيرا ما ينشد:

إذا خرج الكتاب كانت دويهم

قسيا وأقلام الدوي لها نبلا

ومما نقله عنه أنه ساير يوما مروان بن محمد على دابة قد طالت مدتها في ملكه. فقال له مروان: قد طالت صحبة هذه الدابة لك. فقال: يا أمير المؤمنين، إن من بركة الدابة طول صحبتها وقلة علفها. فقال له: فكيف سيرها؟ فقال: همها أمامها وسوطها عنانها، وما ضربت قط إلا ظلما.

رسائل البلغاء · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ٦