قد حددت لك أواخي الإخاء متشعبا، ووصفته لك مخلصا، وانتهيت بك إلى غاية أهل العقل منه، وما تواصل أهل الرأي عليه، ودعا إليه الإخاء من نفسه، منتطقا به ضامنا له، ما فرط في ذلك تقصير من أهله، وداخله تضييع من حملته، أو حاطه إحكام وكنفه حفاظ من رعاته.
وافاني كتابك بما سألت من ذلك وعقلي محصور، ورأيي منقسم وذهني فيما يتأهب به الأمير ... والله من خرز الترك، واختلاف رسله إلى جبال اللان والطبران وما والاهما، بنوافذ أمره ومخارج رأيه، فأنا مصيخ السمع للفظه، عقل العقل عن سوى أمره، محتضر الذهن في تدبيرهم، ذهل القلب عن تقنين القول، وتشعيب الكلام في تصنيف طبقات الرجال ومن أين دخل عليهم نقص الإخاء؟! وكيف خانهم مونق الصفاء؟! وقد صرحت لك عن رأي ذوي الصفاء، وكشفت لك خباء الإخاء، وجمعت لك إلف مودة أهل الحجى، فتلقى ما وصفت لك بقلب فهم عقول ذي ميزة يقظان، وذهن جامع حافظ ذي ثقافة راع - أحضرك الله عصمة التوفيق وسددك الله لإصابة الرشد، ومكن لك صدق العزيمة، والسلام.
ومن رسائل عبد الحميد ما كتب عن مروان إلى هشام يعزيه بامرأة من حظاياه:
إن الله تعالى أمتع أمير المؤمنين من أنيسته وقرينته متاعا مده إلى أجل مسمى، فلما تمت له مواهب الله وعاريته قبض إليه العارية، ثم أعطى أمير المؤمنين من الشكر عند بقائها والصبر عند ذهابها أنفس منها في المنقلب، وأرجح في الميزان وأسنى في العوض - فالحمد لله، وإنا إليه راجعون.
وكتب موصيا بشخص يقول:
حق موصل كتابي إليك كحقه علي إذ جعلك موضعا لأمله، ورآني أهلا لحاجته، وقد أنجزت حاجته فصدق أمله.
وكتب في فتنة بعض العمال من رسالة:
حتى اعتراني حنادس جهالة ومهاوي سبل ضلالة، ذللا لسباقه وسلما في قياده إلى نزل من حميم وتصلية جحيم، سوى ما أنتجت الحفيظة في نفسه من عوائد الحسك، وقدحت الفتنة في قلبه من نار الغضب مضادة لله تعالى بالمناصبة، ومبارزة لأمير المؤمنين بالمحاربة، ومجاهرة للمسلمين بالمخالفة إلى أن أصبح بفلاة قفر، ونية صفر بعيدة المناط، يقطع دونها النياط، وكذلك الله يفعل بالظالمين، ويستدرجهم من حيث لا يعلمون.
وكتب من رسالة أخرى إلى أهله وهو منهزم مع مروان:
أما بعد: فإن الله تعالى جعل الدنيا محفوفة بالكره والسرور، فمن ساعده الحظ فيها سكن إليها، ومن عضته بنابها ذمها ساخطا عليها وشكاها مستزيدا لها، وقد كانت أذاقتنا أفاويق استحليناها، ثم جمحت بنا نافرة ورمحتنا مولية؛ فملح عذبها وخشن لينها، فأبعدتنا عن الأوطان وفرقتنا عن الإخوان، فالدار نازحة والطير بارحة.
وقد كتبت والأيام تزيدنا منكم بعدا وإليكم وجدا؛ فإن تتم البلية إلى أقصى مدتها يكن آخر العهد بكم وبنا، وإن يلحقنا ظفر جارح من أظفار من يليكم، نرجع إليكم بذل الإسار، والذل شر جار، نسأل الله الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء: أن يهب لنا، ولكم ألفة جامعة في دار آمنة تجمع سلامة الأبدان والأديان؛ فإنه رب العالمين وأرحم الراحمين.
هذه الرسائل الأربع منقولة عن شرح رسالة ابن زيدون.
وله من رسالة كتب بها عن آخر خلفاء بني أمية، وهو مروان الجعدي لفرق العرب حين فاض العجم من خراسان بشعار السواد، قائمين بالدولة العباسية.
فلا تمكنوا ناصية الدولة العربية من يد الفئة العجمية، واثبتوا ريثما تنجلي هذه الغمرة ونصحو من هذه السكرة، فسينضب السيل وتمحى آية الليل - والله مع الصابرين والعاقبة للمتقين.
| رسالة عبد الحميد إلى الكتاب
أما بعد: حفظكم الله يا أهل صناعة الكتابة، وحاطكم ووفقكم وأرشدكم، فإن الله - عز وجل - جعل الناس بعد الأنبياء والمرسلين - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - ومن بعد الملائكة المكرمين؛ أصنافا، وإن كانوا في الحقيقة سواء، وصرفهم في صنوف الصناعات، وضروب المحاولات إلى أسباب معاشهم، وأبواب أرزاقهم فجعلكم - معشر الكتاب - في أشرف الجهات أهل الأدب والمروءات والعلم والرزانة، بكم تنتظم للخلافة محاسنها وتستقيم أمورها، وبنصائحكم يصلح الله للخلق سلطانهم ويعمر بلدانهم، لا يستغني الملك عنكم، ولا يوجد كاف إلا منكم، فموقعكم من الملوك موقع أسماعهم التي بها يسمعون، وأبصارهم التي بها يبصرون، وألسنتهم التي بها ينطقون، وأيديهم التي بها يبطشون، فأمتعكم الله بما خصكم من فضل صناعتكم، ولا نزع عنكم ما أضفاه من النعمة عليكم.