وكتب عبد الحميد إلى أخ له، في مولود ولد له، وهو أول مولود كان:
أما بعد: فإن مما أتعرف من مواهب الله نعمة خصصت بمزيتها، وأصفيت بخصيصتها كانت أسرا لي من هبة الله لي ولدا سميته فلانا، وأملت ببقائه بعدي حياة وذكرى، وحسن خلافة في حرمتي، وإشراكه إياي في دعائه شافعا لي إلى ربه، عند خلواته في صلاته وحجه وكل موطن من مواطن طاعته، فإذا نظرت إلى شخصه تحرك به وجدي وظهر به سروري وتعطفت عليه مني آنسة الولد، وولت عني به وحشة الوحدة، فأنا به جذل في مغيبي ومشهدي، أحاول مس جسده بيدي في الظلم، وتارة أعانقه وأرشفه ليس يعدله عندي عظيمات الفوائد ولا منفسات الرغائب، سرني به واهبه لي على حين حاجتي، فشد به أزري، وحملني من شكره فيه ما قد آدنى بثقل حمل النعم السالفة إلي به، المقرونة سراؤها في العجب بما رأت ما يدركني به من رقة الشفقة عليه مخافة مجاذبة المنايا إياه، ووجلا من عواصف الأيام عليه.
فأسأل الله الذي امتن علينا بحسن صنعه في الأرحام، تأديبه بالزكاء، وحرسه بالعافية أن يرزقنا شكر ما حملناه فيه وفي غيره، وأن يجعل ما يهب لنا من سلامته، والمدة في عمره موصولا بالزيادة، مقرونا بالعافية، محوطا من المكروه؛ فإنه المنان بالمواهب والواهب للمنى لا شريك له، حملني على الكتاب إليك لعلم ما سررت به علمي بحالك فيه، وشركتك إياي في كل نعمة أسداها إلي ولي النعم وأهل الشكر، أولى بالمزيد من الله - جل ذكره - والسلام عليك.
وكتب عبد الحميد عن هشام بن عبد الملك إلى يوسف بن عمر، وهو باليمن في السلامة:
فإن أمير المؤمنين كتب إليك، وهو في نعمة الله عليه وبلائه عنده في ولده، وأهل لحمته والخاص من أموره والعلم، والجنود والقواصي والثغور والدهماء من المسلمين، على ما لم يزل ولي النعم يتولاه من أمير المؤمنين، حافظا له فيه ومكرما له بالحياطة، لما ألهمه الله فيه من أمر رعيته، وعلى أعظم وأحسن وأكمل ما كان يحوطه فيه ويذب له عنه، والله محمود مشكور إليه فيه مرغوب، أحب أمير المؤمنين؛ لعلمه بسرورك به أن يكتب إليك بذلك، لتحمد الله عليه وتشكره به؛ فإن الشكر من الله بأحسن المواضع وأعظم المنازل، فازدد منه تزدد به، وحافظ عليه وتحفظ به وارغب فيه؛ يهد إليك مزيد الخير ونفائس المواهب وبقاء النعم، فاقرأ على من قبلك كتاب أمير المؤمنين إليك ليسر به جندك ورعيتك، ومن حمله الله المنعم بأمير المؤمنين، ليحمدوا ربهم على ما رزق الله عباده من سلامة أمير المؤمنين في بدنه، ورأفته بهم واعتنائه بأمورهم؛ فإن زيادة الله تعلو شكر الشاكرين، والسلام.
ولعبد الحميد إلى مروان في حاجة:
إن الله بنعمته علي لما رزقني المنزلة من أمير المؤمنين جعل معها شكرها مقرونا بها، فهي تتنمى بالزيادة، والشكر مصاحب لها، فليست تدخلني وحشة من أبناء حاجتي، وأنا أعلم أنه لو وصل إلى أمير المؤمنين علم حالي أغناني عن استزادته، ولكني تكنفتني مؤن استنفضت ما في يدي، وكنت للخلف من الله منتظرا؛ فإني إنما أتقلب في نعمه، وأتمرغ في فوائده وأعتصم بسالف معروفه كان عندي.
ولعبد الحميد في وصف الإخاء:
فإن أولى ما اعتزم عليه ذوو الإخاء، وتوصل إليه أهل المودات ما دعا أسبابه صدق التقوى، وبنيت دعائمه على أساس البر، ثم أنهد إلينا حزين التواصل، وشيده مستعذب العشرة فادعم قويا وصفى مرنقا، وبخاصة الحقة منعطفة وسكنت به القلوب أنيسة، وسمت من مواصلته الهمم مستعلية عن كل زائغ معتاف، ومخوف عارض يحترم مسكة الإخاء، ويختار مربوب المقة ضنا بما استعذبوا من محمود وثائقه، وازديادا فيما تمطقوا به من حلاوة جناه، فإذا استحكم لهم مدخور الصفاء بثبات أواخيه، وظهور أعلامه ومحصول مخبره وثقة مواده، كان سرورهم باعتلاقه، وابتهاجهم بوجدانه وإنما هم صلته، وبذلهم رعايته، وحياطتهم محمودة، بحيث نالوا من معرفته حظوته، واستولوا عليه من مزية كرمه، وتعرفوا من ذخيرة عائدته ومأمون حفاظه، وكشف لهم عن نفسه مظهرا أعلامه مبديا دفينته، طارحا قناع سره، معلنا مكنون ضميره في نأي الدار وجدان المجتمع، بإظهار ما استتر من المحاسن، وبث في الحقب من المكارم، قياما لهم بالنصرة، وحياطا للمودة، وترغيبا في العشرة، فكان أكهف ملجأ، وأحرز حصن، وأحصف جنة، وأعون ظهير، وأبقى ذخيرة، وأعظم فائدة، وأشرف كنز، وأفخر صنيعة، وآنق منظر، وأينع زهرة أكثر الأشياء ريعا، وأنماها وصلا، وأمدها سببا، وأقواها أيدا، وأحلاها ذوقا، وأدعمها ثباتا، وأرساها ركنا، لا يدخل مستحقها سآمة ملال، ولا كلال مهنة، ولا تثبيط ونية، ولا ضعف خور لنزول بائقة، أو طروق طارقة من عوارض الأقدار وحوادث الزمان، بل مواسيا في أزمتها، متورطا غمرات قحمها متدرعا هائل بوائقها، مستلحما نواظر مقاطعها، حتى تصير به الأقدار إلى تناهيها، ويبلغ به القضاء مقداره غير منان النصرة، ولا برم التعب، يرى تعبه غنما ونصبه دعة، وكلفه فائدة، وعمله مقصرا، وسعيه مفرطا، واجتهاده مضيعا، عدل الولد في بره، والوالد في شفقته، والأخ في نصرته، والجار في حفظه، والذخر في ملكه، فأين المعدل عن مثله، أو كيف الإصابة لشبهه، أو أنى عوض من فقده - جمعنا الله وإياك على طاعته وألفنا بمحابه، وجعل أخوتنا في ذاته.