تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليس أحد من أهل الصناعات كلها أحوج إلى اجتماع خلال الخير المحمودة، وخصال الفضل المذكورة المعدودة منكم - أيها الكتاب - إذا كنتم على ما يأتي في هذا الكتاب من صفتكم؛ فإن الكاتب يحتاج من نفسه، ويحتاج منه صاحبه الذي يثق به في مهمات أموره، أن يكون حليما في موضع الحلم، فهيما في موضع الحكم، مقداما في موضع الإقدام، محجاما في موضع الإحجام مؤثرا للعفاف والعدل والإنصاف، كتوما للأسرار، وفيا عند الشدائد ، عالما بما يأتي من النوازل، يضع الأمور مواضعها، والطوارق في أماكنها، قد نظر في كل فن من فنون العلم فأحكمه، وإن لم يحكمه أخذ منه بمقدار من الحسن، واحتال على صرفه عما يهواه من القبح بألطف حيلة وأجمل وسيلة.

وقد علمتم أن سائس البهيمة، إذا كان بصيرا بسياستها التمس معرفة أخلاقها؛ فإن كانت جموحا لم يهجها إذا ركبها، وإن كانت شبوبا اتقاها من بين أيديها، وإن خاف منها شرودا توقاها من ناحية رأسها، وإن كانت حرونا قمع برفق هواها في طرقها؛ فإن استمرت عطفها يسيرا فيسلس له قيادها، وفي هذا الوصف من السياسة دلائل لمن ساس الناس وعاملهم وجربهم وداخلهم، والكاتب، بفضل أدبه وشريف صنعته ولطيف حيلته، ومعاملته لمن يحاوره من الناس ويناظره ويفهم عنه أو يخاف سطوته؛ أولى بالرفق لصاحبه ومداراته، وتقويم أوده من سائس البهيمة التي لا تحير جوابا، ولا تعرف صوابا ولا تفهم خطابا، إلا بقدر ما يصيرها إليه صاحبها الراكب عليها.

ألا فارفقوا - رحمكم الله - في النظر، واعملوا فيه ما أمكنكم من الروية والفكر، تأمنوا - بإذن الله - ممن صحبتموه النبوة والاستثقال والجفوة، ويصير منكم إلى الموافقة وتصيرون منه إلى المؤاخاة والشفقة - إن شاء الله تعالى.

ولا يجاوزن الرجل منكم في هيئة مجلسه وملبسه، ومركبه ومطعمه، ومشربه وبنائه وخدمه، وغير ذلك من فنون أمره قدر حقه؛ فإنكم مع ما فضلكم الله به من شرف صنعتكم خدمة، لا تحملون في خدمتكم على التقصير، وحفظة لا تحتمل منكم أفعال التضييع والتبذير، واستعينوا على عفافكم بالقصد في كل ما ذكرته لكم وقصصته عليكم، واحذروا متالف السرف وسوء عاقبة الترف؛ فإنهما يعقبان الفقر ويذلان الرقاب، ويفضحان أهلهما ولا سيما الكتاب وأرباب الآداب، وللأمور أشباه وبعضها دليل على بعض، فاستدلوا على مؤتنف أعمالكم بما سبقت إليه تجربتكم، ثم اسلكوا من مسالك التدبير أوضحها محجة، وأصدقها حجة وأحمدها عاقبة، واعلموا أن للتدبير آفة متلفة، وهو الوصف الشاغل لصاحبه عن إنفاذ علمه ورويته، فليقصد الرجل منكم في مجلسه قصد الكافي من منطقه، وليوجز في ابتدائه وجوابه، وليأخذ بمجامع حججه؛ فإن ذلك مصلحة لفعله، ومدفعة للشاغل عن إكثاره، وليضرع إلى الله في صلة توفيقه، وإمداده بتسديده مخافة وقوعه في الغلط المضر ببدنه وعقله وأدبه؛ فإنه إن ظن منكم ظان، أو قال قائل: إن الذي برز من جميل صنعته وقوة حركته، إنما هو بفضل حيلته وحسن تدبيره؛ فقد تعرض بظنه أو مقالته إلى أن يكله الله - عز وجل - إلى نفسه فيصير منها إلى غير كاف، وذلك على من تأمله غير خاف، ولا يقول أحد منكم: إنه أبصر بالأمور وأحمل لعبء ما يكتفي به يعرف بغريزة عقله، وحسن أدبه وفضل تجربته ما يرد عليه قبل وروده، وعاقبة ما يصدر عنه قبل صدوره، فيعد لكل أمر عدته وعتاده، ويهيئ لكل وجه هيئته وعادته، فتنافسوا يا معشر الكتاب في صنوف الآداب، وتفقهوا في الدين وابدءوا بعلم كتاب الله - عز وجل - والفرائض ثم العربية؛ فإنها ثقاف ألسنتكم ثم أجيدوا الخط؛ فإنه حلية كتبكم، وارووا الأشعار واعرفوا غريبها ومعانيها، وأيام العرب والعجم وأحاديثها وسيرها؛ فإن ذلك معين لكم على ما تسمو إليه هممكم، ولا تضيعوا النظر في الحساب؛ فإنه قوام كتاب الخراج.

رسائل البلغاء · الصفحة ٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ٦٢