فإن انصرف عنك عدوك، ونكل عن الإصابة من جندك. وكان بخيلك قوة على طلبه، أو كانت لك خيل معدة، وكتيبة منتخبة قدرت أن تركب بهم أكتافهم، وتحملهم على سننهم فأتبعهم جريدة خيل عليها الثقات من فرسانك، وأولو النجدة من حماتك؛ فإنك ترهق عدوك، وقد أمن بياتك وشغل بكلاله عن التحرز منك، والأخذ بأبواب معسكره، والضبط لمحارسه، موهنة حماتهم، لغبة أبطالهم لما ألفوكم عليه من التشمير والجد، قد عقر الله فيهم، وأصاب منهم وجرح من مقاتلتهم، وكسر من أماني ضلالتهم، ورد من مستعلي جماحهم، وتقدم إلى من توجه طلبهم وتتبعه أن يكونوا، وهم في سكون الريح وقلة الرفث وكثرة التسبيح والتهليل، واستنصار الله - عز وجل - بقلوبهم وألسنتهم، سرا وجهرا بلا لجب ضجة ولا ارتفاع ضوضاء دون أن يردوا على مطلبهم، وينتهزوا فرصهم ثم يشهروا السلاح وينضوا السيوف؛ فإن لها هيبة رائعة وبديهة مخوفة، لا يقوم لها في بهمة الليل إلا البطل المحارب وذو البصيرة المحامي المستميت المقاتل، وقليل ما هم عند تلك المواضع، إن شاء الله.
ليكن أول ما تقدم به في التهيؤ لعدوك، والاستعداد للقائه انتخابك من فرسان عسكرك وحماة جندك ذوي البأس والحنكة والجد والصرامة، ممن قد اعتاد طراد الكماة، وكشر عن ناجذه في الحرب، وقام على ساق في منازلة الأقران، ثقف الفراسة مستجمع القوة مستحصد المريرة صبورا على أهوال الليل، عارفا بمناهز الفرص، لم تمهنه الحنكة ضعفا، ولا أبلغت به السن ملالا ولا أسكرته غرة الحداثة جهلا، ولا أبطرته نجدة الأغمار صلفا، جريئا على مخاطرة التلف متقدما على أدراع الموت، مكابرا لمرهوب الهول، متقحما مخشي الحتوف، خائضا غمرات المهالك برأي يؤيده الحزم، ونية لا يخلجها الشك وأهواء مجتمعة، وقلوب موقنة عارفين بفضل الطاعة وعزها وشرفها، وحيث محل أهلها من التأييد والظفر والتمكين ثم اعرضهم رأي عين على كراعهم وأسلحتهم، ولتكن دوابهم إناث عتاق الخيول وأسلحتهم سوابغ الدروع، وكمال آلة المحارب متقلدين سيوفهم المستخلصة من جيد الجواهر وصافي الحديد، والمتخيرة من معادن الأجناس هندية الحديد، أو بدنية يمانية الطبع، رقاق المضارب مستوية الشحذ مشطبة الضريبة، ملبدين بالترسة الفارسية صينية التعقيب، معلمة المقابض بحلق الحديد أنحاؤها مربعة، ومحارزها بالتجليد مضاعفة، ومحملها مستخف، وكنائن النبل وجعاب القسي قد استحقبوها، وقسي الشريان والنبع أعرابية الصنعة، مختلفة الأجناس محكمة العمل ونصول النبل مسمومة، وتركيبها عراقي وترييشها بدوي مختلفة الصوغ في الطبع شتى الأعمال في التشطيب والاستزادة، ولتكن الفارسية مقلوبة المقابض، منبسطة الأسنة، سهلة الانعطاف، مقربة الانحناء ممكنة المرمى، واسعة الأسهم فرضها سهلة الورود، معاطفها غير معنون المواتاة.
ثم ول على كل مائة رجل منهم رجلا من أهل خاصتك وثقاتك ونصحائك، وتقدم إليهم في ضبطهم وكف بطشهم ... واستنزل نصائحهم واستعداد طاعتهم، واستخلاص ضمائرهم، وتعهد كراعهم وأسلحتهم، معفيا لهم من النوائب التي تلزم أهل العسكر وعامة جندك، ثم اجعلهم عدة لأمر إن فاجأك أو طارق بيتك، ومرهم أن يكونوا على أهبة معدة وحذرهم؛ فإنك لا تدري أي الساعات من ليلك ونهارك تكون إليهم حاجتك، فليكونوا كرجل واحد في التشمير والتردف وسرعة الإجابة؛ فإنك إن عسيت ألا تجد عند جماعة جندك مثل تلك الروعة والمباغتة، إن احتجت إلى ذلك منهم معونة كافية ولا أهبة معدة، بل ذلك كذلك فاذكرها وول الذي يبعث عدتك وقوتك تقويا، قد قطعتها على القواد الذين وليتهم أمورهم فسميت أولا وثانيا وثالثا ورابعا وخامسا إلى عشرة؛ فإن اكتفيت فيما يبدهك ويطرقك لبعث واحد كان معدا لم تحتج فيه إلى امتحانهم في ساعتهم تلك، وقطع البعث عليهم عندما يرهقك، وإن احتجت إلى اثنين وثلاث، وجهت منهم إرادتك، إن شاء الله.