تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكل بخزائنك ودواوينك رجلا أمينا صالحا ذا ورع حاجز ودين فاضل، واجعل معه خيلا يكون مسيرها ومنزلها وترحلها مع خزائنك، وتقدم إليه في حفظها والتوفر عليها، واتهام من يستولي على شيء منها على إضاعته والتهاون به، والشدة على من دنا منها في مسير أو ضامها في منزل، وليكن عامة الجند والجيش إلا من استصلحت للمسير معها متنحين عنها مجانبين لها؛ فإنه ربما كانت الجولة وحدثت الفزعة؛ فإن لم يكن للخزائن ممن يوكل بها أهل، وحفظ لها وذب عنها أسرع الجند إليها وتداعوا نحوها، حتى يكاد يترامى ذلك بهم إلى انتهاب العسكر واضطراب الفتنة؛ فإن أهل الفتن وسوء السيرة كثير، وإنما همتهم الشر، فإياك وأن يكون لأحد في خزائنك ودواوينك وبيوت أموالك مطمع، أو يجدوا إلى اغتيالها ومررتها، إن شاء الله.

اعلم أن أحسن مكيدتك أثرا في العامة، وأبعدها صوتا في حسن القالة ما نلت الظفر فيه بحسن الروية وحزم التدبير ولطف الحيلة، فلتكن رويتك في ذلك، وحرصك على إصابته لا بالقتال وأخطار التلف، وادسس إلى عدوك وكاتب رءوسهم وقادتهم، وعدهم المنالات، ومنهم الولايات، وسوغهم التراب، وضع عنهم الإحن، واقطع عنهم أعناقهم بالمطامع، واملأ قلوبهم بالترهيب، وإن أمكنتك منهم الدوائر، وأصار بهم إليك الرواجع، وادعهم إلى الوثوب بصاحبهم، أو اعتزاله إن لم يكن لهم بالوثوب عليه طاقة، ولا عليك أن تطرح إلى بعضهم كتبا كأنها جوابات كتب لهم إليك، وتكتب على ألسنتهم كتبا إليك تدفعها إليهم، ويحمل بها صاحبهم عليهم، وتنزلهم عنده منزلة التهمة، فلعل مكيدتك في ذلك أن يكون فيها افتراق كلمتهم، وتشتيت جماعتهم واحش قلوبهم سوء الظن من واليهم، فيوحشهم منه خوفهم إياه على أنفسهم إذا أيقنوا بأنها مناياهم؛ فإن بسط يده بقتلهم وأولغ في دمائهم سيفه، وأسرع في الوثوب بهم أشعرهم جميعا الخوف، وشملهم الرعب ودعاهم إليك الهرب، وتهافتوا نحوك بالنصيحة، وإن كان متأنيا محتملا رجوت أن تستميل إليك بعضهم، وتستدعي بالطمع ذوي الشره منهم، وتنال بذلك ما تحب من أخبارهم، إن شاء الله.

إذا تدانى الصفان وتواقف الجمعان واحتضرت الحرب، فعبأت أصحابك لقتال عدوهم فأكثر من: لا حول ولا قوة إلا بالله، والتوكل على الله، والتفويض إليه ومسألته توفيقك وإرشادك، وأن يعزم لك على الرشد، والعصمة الكالئة والحيطة الشاملة.

ومر جندك بالصمت وقلة التلفت إلى المشار له، وكثرة التكبير في أنفسهم والتسبيح بضمائرهم وألا يظهروا تكبيرا، إلا في الكرات والحملات، وعند كل زلفة يزدلفونها، فأما وهم وقوف فإن ذلك من الفشل والجبن، وليكثروا من: لا حول ولا قوة إلا بالله، حسبنا الله ونعم الوكيل، اللهم انصرنا على عدوك وعدونا الباغي، واكفنا شوكته المستحدة وأيدنا بملائكتك الغالبين، واعصمنا بعونك من الفشل والعجز، إنك أرحم الراحمين.

وليكن في عسكرك مكبرون بالليل والنهار، قبل المواقع، يطوفون عليهم يحضونهم على القتال ويحرضونهم على عدوهم، ويصفون لهم منازل الشهداء وثوابهم، ويذكرونهم الجنة ورخاء أهلها وسكانها، ويقولون: اذكروا الله يذكركم واستنصروه ينصركم، وإن استطعت أن تكون أنت المباشر لتعبية جندك، ووضعهم من رايات ومعك رجال من ثقات فرسانك ذوو سن وتجربة ونجدة على التعبية، وأمير المؤمنين واصفها لك في آخر كتابه هذا - إن شاء الله - أيدك الله بالنصر وغلب لك على القوة، وأعانك على الرشد وعصمك من الزيغ، وأوجب لمن استشهد معك ثواب الشهداء ومنازل الأصفياء، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

| ومن الرسائل المفردات في الشطرنج

أما بعد: فإن الله شرع دينه بإنهاج سبله، وإيضاح معالمه بإظهار فرائضه، وبعث رسله إلى خلقه دلالة لهم على ربوبيته، واحتجاجا عليهم برسالاته، ومقدما إليهم بإنذاره ووعيده ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة، ثم ختم بنبيه

رسائل البلغاء · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ٥٧