ليكن رحيلك إبانا واحدا ووقتا معلوما، لتخف المؤنة بذلك على جندك ويعلموا أوان رحيلهم، فيقدموا فيما يريدون من معالجة أطعمتهم وأعلاف دوابهم، وتسكن أفئدتهم إلى الوقت الذي وقفوا عليه، ويطمئن ذوو الحاجات إبان الرحيل، ومتى يكن رحيلك مختلفا تعظم المؤنة عليك وعلى جندك ويخلوا بمراكزهم، ولا يزال ذوو السفه والنزق يترحلون بالإرجاف وينزلون بالتوهم، حتى لا ينتفع ذو رأي بنوم ولا طمأنينة.
إياك أن تنادي برحيل من منزل تكون فيه، حتى يأمر صاحب تعبيتك بالوقوف على معسكرك، أخذا بفوهة جنبتيه بأسلحتهم عدة لأمر إن حضر، ومفاجأة من طليعة للعدو إن أراد نهزة، أو لمحت عندكم غرة، ثم مر الناس بالرحيل وخيلك واقفة وأهبتك معدة وجنتك واقية، حتى إذا استقللتم من معسكركم وتوجهتم من منزلكم، سرتم على تعبيتكم بسكون ريح وهدوء حملة وحسن دعة.
فإذا انتهيتم إلى منهل أردت نزوله، أو هممت بالمعسكر به، فإياك ونزوله إلا بعد العلم بأن تعرف لك أحواله، أو يسبر علم دفينه ويستبطن علم أموره، ثم ينهيها إليك وما صارت إليه لتعلم كيف احتمال عسكرك، وكيف مأواه وأعلامه وكيف موضع عسكرك منه، وهل لك إذا أردت مقاما به أو مطاولة عدوك ومكايدته، فيه قوة تحملك ومدد يأتيك؛ فإنك إن لم تفعل ذلك لم تأمن أن يهجم على منزل يزعجك منه ضيق مكانه، وقلة مياهه وانقطاع مواده إن أردت بعدوك مكيدة، واحتجت من أمرهم إلى مطاولة؛ فإن ارتحلت منه كنت غرضا لعدوك، ولم تجد إلى المحاربة والأخطار سبيلا، وإن أقمت به أقمت على مشقة حصر وفي أزل وضيق، فاعرف ذلك وتقدم فيه.
فإذا أردت نزولا أمرت صاحب الخيل التي رحلت الناس، فوقفت متنحية من معسكرك عدة لأمر إن راعك، ومفزعا لبديهة إن راعتك قد أمنت - بإذن الله وحوله - فجأة عدوك، وعرفت موقعها من حربك، حتى يأخذ الناس منازلهم وتوضع الأثقال مواضعها، ويأتيك خبر طلائعك وتخرج دباباتك من عسكرك دبابا محيطين بعسكرك، وعدة لك إن احتجت إليهم، وليكن دباب جندك بعسكرك أهل جلد وقوة قائد أو اثنين أو ثلاثة بأصحابهم في كل ليلة ويوم نوبا بينهم، فإذا غربت الشمس ووجب نورها، أخرج إليهم صاحب تعبيتك أبدالهم عسسا بالليل في أقرب من مواضع دباب النهار، يتعاور ذلك قوادك جميعا بلا محاباة لأحد منهم فيه، ولا ادهان، إن شاء الله.
إياك أن يكون منزلك إلا في خندق أو حصن تأمن به بيات عدوك وتستنيم فيه إلى الحزم من مكيدته، إذا وضعت الأثقال وخططت أبنية أهل العسكر، لم يمد خباء ولم ينتصب بناء حتى يقطع لكل قائد ذرع معلوم من الأرض بقدر أصحابه فيحتفروه عليهم ويبنوا بعد ذلك خنادق الحسك طارحين لها دون أشجار الرماح، ونصب الترسة لها بابان، قد وكلت بعد بحفظ كل باب منهما رجلا من قوادك في مائة رجل من أصحابه، فإذا فرغ من الخندق كان ذلك القائد أهلا لذلك المركز وكان المكان وموضع تلك الخيل. وكانوا هم البوابين والأحراس لذينك الموضعين ند إلى الرفاهة والسعة، وتقدم العسكر أو التأخر عنه؛ فإن ذلك مما يضعف الوالي ويوهنه لاستنامته إلى من ولاه ذلك، وأمنه به على جيشه.
واعلم أنك إذا أمنت - بإذن الله - طوارق عدوك وبغتاتهم، فإذا راموا ذلك منك كنت قد أحكمت ذلك، وأخذت بالجد فيه، وتقدمت في الإعداد له، ورتقت مخوف الفتق منه، إن شاء الله.
إذا ابتليت ببيات عدوك أو طرقك رائعا في ... حذرا معدا مشمرا عن ساقك مسربا لحربك قد قدمت دراجتك إلى مواضعها على ما وصفت لك ... التي قدرت لك وطلائعك حيث أمرتك، وجندك حيث عبأت قد خطرت عليهم بنفسك، وتقدم إلى جندك إن طرق طارق أو فاجأهم عدو ألا يتكلم أحد منهم إلا رافعا صوته بالتكبير، مستغفرا في إجلاب معلنا للإرهاب إلا أهل الناحية التي يقع بها العدو طارقا، وليشرعوا رماحهم مادين لها في وجوههم، ويرشقهم بالنبل ملبدين ترستهم لازمين لمراكزهم ... قدم عن موضعها، ولا منحازين إلى غير مركزهم وليكبروا ثلاث تكبيرات متواليات، وسائر الجند هادون ... عدوك من معسكرهم، فتمد أهل تلك الناحية بالرجال من أعوانك وشرطك، ومن انتخبت قبل ذلك عدة للشدائد، وتدس لهم النشاب والرماح، وإياك أن يشهروا سيفا يتجالدون به وتقدم إليهم فلا يكون قتالهم بالليل في تلك المواضع من طرقهم إلا بالرماح مسندين لها إلى صدورهم، والنشاب راشقين به وجوههم، قد ألبدوا بالترسة واستجنوا بالبيض، وألقوا عليهم سوابغ الدروع وحباب الحشو؛ فإن صد العدو عنهم حاملين على ناحية أخرى كبر أهل تلك الناحية الأولى وبقية العسكر سكون، والناحية التي صدر عنها العدو لازمة لمراكزها، فعلت في تقويتهم وإمدادهم بمثل صنيعك بإخوانهم، وإياك وأن تخمد نار رواقك، وإذا وقع العدو في معسكرك فأججها ساعرا لها، وأوقدها حطبا جزلا يعرف بها أهل العسكر مكانك وموضع رواقك، ويسكن نافر قلوبهم ويقوي واهن قوتهم، ويشتد منخذل ظهورهم، ولا يرجفون فيك بالظنون ويجيلون لك آراء السوء، وذلك من فعلك رد عدوك بغيظه، ولم يستقل منك بظفر ولم يبلغ من نكايتك سرورا - إن شاء الله.