اعلم أن الظفر ظفران: أحدهما أعم منفعة، وأبلغ في حسن الذكر قالة، وأحوط سلامة، وأتمه، عافية، وأعوده عاقبة، وأحسن في الأمور موردا، وأصحه في الرواية حزما، وأسهله عند العامة مصدرا، ما نيل بسلامة الجنود، وحسن الحيلة ولطف المكيدة ويمن النقيبة، بغير إخطار الجيوش في وقدة جمرة الحرب، ومنازلة الفرسان في معترك الموت، وإن ساعدك الحظ ونالك مزية السعادة في الشرف، ففي مخاطرة التلف، ومكروه المصائب، وعضاض السيوف، وألم الجراح، وقصاص الحروب، وسجالها بمعاورة أبطالها، على أنك لا تدري لأي الفريقين الظفر في البديهة من المغلوب في الدولة، ولعلك أن تكون المطلوب بالتمحيص، فحاول أبلغهما في سلامة جندك ورعيتك وأشهرهما «...» في بادئ رأيك، وأجمعهما لألفة وليك وعدوك، وأعونهما على صلاح رعيتك وأهل ملتك، وأقواهما في حربك وأبعدهما من وصم عزمك وأجزلهما ثوابا عندك، وابدأ بالإعذار والدعاء لهم إلى مراجعة الطاعة وأمر الجماعة وعرى الألفة، آخذا بالحجة عليهم، متقدما بالإنذار لهم، باسطا أمانك لمن لجأ إليه منهم، داعيا لهم إليه بألين لطفك، وألطف حيلتك متعطفا عليهم برأفتك، مترفقا بهم في دعائك، مشفقا عليهم من غلبة الغواية لهم، وإحاطة الهلكة بهم، منفذا رسلك إليهم بعد الإنذار تعدهم كل رغبة يهش إليها طمعهم في موافقة الحق، وبسط كل أمان سألوه لأنفسهم ومن معهم من تبعهم، موطنا نفسك فيما تبسط لهم من ذلك على الوفاء بوعدك، والصبر على ما أعطيتهم من وثائق عهدك قابلا توبة نازعهم عن الضلالة، ومراجعة مسيئهم إلى الطاعة، مرصدا للمنحاز إلى فئة المسلمين وجماعتهم، إجابة إلى ما دعوتهم إليه وبصرت من حقك وطاعتك بفضل المنزلة، وإكرام المثوى وتشريف الحال؛ ليظهر من أثرك عليه، وإحسانك إليه ما يرغب في مثله الصارف عنك المصر على خلافك ومعصيتك، ويدعو إلى الاعتلاق بحبل النجاة، وما هو أملك به في الاعتصام به عاجلا، وأنجى له من العقاب آجلا وأحوط على دينه ومهجته بدءا وعاقبة؛ فإن ذلك مما يستدعي نصر الله - عز وجل - به عليهم، وتعتصم به في تقدمة الحجة إليهم معذرا ومنذرا، إن شاء الله.
ثم أذك عيونك على عدوك متطلعا لعلم أحوالهم التي ينتقلون فيها، ومنازلهم التي هم بها، ومطامعهم التي مدوا بها أعناقهم نحوها، وأي الأمور أدعى لهم إلى الصلح وأقودها لرضاهم إلى العافية، ومن أي الوجوه ما أتاهم من قبل الشدة والمنافرة والمكيدة والمباعدة والإرهاب والإبعاد والترغيب والإطماع مستنا في أمرك متخيرا في رويتك، متمكنا من رأيك مستشيرا لذوي النصيحة الذين قد حنكتهم التجربة ونجذتهم الحروب، متسربا في حربك، آخذا بالحزم في سوء الظن معدا للحذر محترسا من الغرة، كأنك منزل كله ومنازلك جمع مواقف لعدوك رأي عين تنظر حملاتهم، وتخوف غاراتهم، معدا أقوى مكيدتك، وأجد تشميرك، وأرهب عتادك، معظما لأمر عدوك لأكثرهما ... بفرط تبعة له من الاحتراس عظيما من المكيدة، قويا من غير أن يفثأك عن إحكام أمورك، وتدبير رأيك، وإصدار رؤيتك، والتأهب لحربك مصغ له بعد استشعار الحذر واطمئنان الحزم وإعمال الروية وإعداد الأهبة؛ فإن لقيت عدوك كليل الحد ونم النجوم نضيض الوفر لم يضررك ما أعددت له من قوة، وأخذت به من حزم، ولم يزدك ذلك إلا جرأة عليه، وتسرعا إلى لقائه، وإن ألفيته متوقد الجمر، مستكثف التبع، قوي الجمع، مستعلي سورة الجهل، معه من أعوان الفتنة، وتبع إبليس من يوقد لهب الفتنة مسعرا، ويتقدم إلى لقاء أبطالها متسرعا كنت لأخذك بالحزم، واستعدادك بالقوة غير مهين الجند، ولا مفرط في الرأي، ولا متلهف على إضاعة تدبير، ولا محتاج إلى الإعداد وعجلة التأهب مبادرة تدهشك، وخوفا يقلقك، ومتى تعزم على ترقيق التوقير، وتأخذ بالهويني في أمر عدوك لتصغر المصغرين؛ ينتشر عليك رأيك ويكن فيه انتقاض أمرك ووهن تدبيرك، وإهمال الحزم في جندك، وتضييع له وهو ممكن الإصحار رحب المطلب قوي العصمة فسيح المضطرب مع ما يدخل رعيتك من الاغترار، والغفلة عن إحكام أسرارهم وضبط مراكزهم، لما يرون من استنامتك إلى الغرة، وركونك إلى الأمن وتهاونك بالتدبير، فيعود ذلك عليك في انتشار الأطراف، وضياع الإحكام ودخول الوهن بما لا يستقال محذوره ولا يدفع مخوفه.