استكثر من فوائد الخير؛ فإنها تنشر المحمدة وتقيل العثرة، واصطبر على الغيظ فإنه يورث العز ويؤمن الساحة، وتعهد العامة بمعرفة دخلهم، وبنظر أحوالهم واستثارة دفائهم حتى يكون على مرأى العين ويقين الخبرة، فتنعش عديمهم وتجبر كسيرهم، وتقيم أودهم، وتعلم جاهلهم، وتستصلح فاسدهم؛ فإن ذلك من فعلك يورثك العزة ويقدمك في الفضل ويبقي لك لسان صدق في العامة، ويحرز لك ثواب الآخرة، ويرد عليك عواطفهم المستنفرة وقلوبهم المستجنة عليك «وميز» بين منازل أهل الفضل في الدين والحجى والرأي والعقل والتدبير والصيت في العامة، وبين منازل أهل النقص في طبقات الفضل وأحواله والجمود عنه تناه بأهل الحسب والنظر نصيحة لهم تنل مودة الجميع، وتستجمع لك أقاويل العامة على التفضيل، وتبلغ درج الشرف في الأحوال المتصرفة بك، فاعتمد عليهم مستدخلا لهم وآثرهم بمجالستك مستمعا منهم، وإياك وتضييعهم مفرطا لهم وإهمالهم مضيعا.
هذه جوامع من خصال، قد لخصها لك أمير المؤمنين وجمع شواهدها مؤلفا، وأهداها لك مرشدا تقف عند أوامرها وتنتهي عند زواجرها، وتثبت في مجامعها، وخذ بوثائق عراها تسلم من معاطب الردى، وتنل أنفس الحظوظ ومزية الشرف، وأعلى درج الذكر، والله يسأل لك أمير المؤمنين حسن الإرشاد، وتتابع المزيد وبلوغ الأمل، وأن يجعل عاقبة ذلك بك إلى غبطة يسوغك إياها، وعافية يحلك أكنافها، ونعمة يلهمك شكرها؛ فإنه الموفق للخير والمعين على الإرشاد وبه تمام الصالحات، وهو مؤتي الحسنات، عنده مفاتيح الخير وبيده الملك، وهو على كل شيء قدير.
فإذا أفضيت نحو عدوك واعتزمت على لقائهم، وأخذت أهبة قتالهم، فاجعل دعامتك التي تلجأ إليها، وثقتك التي تأمل النجاة بها، وركنك الذي ترتجي به منال الظفر وتكتهف به لمغالق الحذر؛ تقوى الله - عز وجل - مستشعرا له بمراقبته، والاعتصام بطاعته متبعا لأمره، والاجتناب لمساخطه، محتذيا سنته، والتوقي لمعاصيه في تعطيل حدوده، وتعدي شرائعه متوكلا عليه فيما صمدت له، واثقا بنصره فيما وجهت نحوه، متبرئا من الحول والقوة، فيما نالك من ظفر وتلقاك من عز، راغبا فيما أهاب بك أمير المؤمنين إليه من فضل الجهاد، ورمى بك إليه محمود الصبر عند الله - عز وجل - من قتال عدو الله للمسلمين أكلبهم عليهم وأظهرهم عداوة لهم، وأفدحهم ثقلا لعامتهم وأخذة بربقهم، وأعلاه عليهم بغيا وأظهره فيهم فسقا وجورا، وأشده على فيئهم الذي أصاره الله لهم مؤنة.
ثم خذ من معك من تبعك وجندك بكف معرتهم ورد مستعلي جورهم، وإحكام خللهم وضم منتشر قواصيهم، ولم شعث أطرافهم وخذهم بمن مروا به من أهل ذمتك وملتك بحسن السيرة «وعفة» الطعمة ودعة الوقار، وهدى الدعة وجمام، «النفس» محكما ذلك منهم متفقدا لهم فيه، تفقدك إياه من نفسك.
ثم اصمد بعدوك المتسمي بالإسلام خارجا من جماعة أهله المنتحل ولاية الدين، مستحلا لدماء أوليائه طاعنا عليهم راغبا عن سنتهم مفارقا لشرائعهم يبغيهم الغوائل، وينصب لهم المكايد أضرم حقدا عليهم، وأرصد عداوة لهم من الترك، وأمم الشرك وطواغي الملل، يدعو إلى المعصية والفرقة والمروق من الدين إلى الفتنة مخترعا بهواه إلى الأديان المنتحلة، والبدع المتفرقة خسارا وتخسيرا وضلالا وإضلالا بغير هدى من الله، ولا بيان ساء ما كسبت يداه، وما الله بظلام للعبيد، وبئسما سولت له نفسه الأمارة بالسوء، والله من ورائه بالمرصاد
وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (الشعراء: 227).
حض جندك واشكم نفسك في مجاهدة أعداء الله، وارج نصره وتنجز موعده، متقدما في طلب ثوابه على جهادهم، معتزما في ابتغاء الوسيلة إليه على لقائهم؛ فإن طاعتك إياه فيهم ومراقبتك له، ورجاءك لنصره مسهل لك وعوده، وعاصمك من كل سيئة، ومنجيك من كل هوة، وناعشك من كل صرعة، ومقيلك من كل كبوة، ودارئ عنك كل شبهة، ومذهب عنك لطخة كل شك، ومقويك بكل أيد ومكيدة، ومؤيدك في كل مجمع لقاء، وحافظك من كل شبهة مردية، والله وليك وولي أمير المؤمنين فيك.