تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

احفظ من عيونك وجواسيسك ما يأتونك به من أخبار عدوك، وإياك ومعاقبة أحد منهم على خبر إن أتاك به اتهمته فيه، أو سؤت ظنا عليه وأتاك غيره بخلافه، وإن تكذبه فيه وترده عليه، ولعله أن يكون من محضك النصيحة، وصدقك الخبر وكذبك الأول، أو خرج جاسوسك الأول متقدما قبل وصول هذا من عند عدوك، ولقد أبرموا أمرا وحاولوا لك مكيدة وازدادوا منك غرة، وإن دفعوا إليك في الأمر، ثم انتقص بهم رأيهم واختلف عنه جماعتهم فأوردوا رأيا وأحدثوا مكيدة، وأظهروا قوة وضربوا موعدا وأموا مسلكا لعدد أتاهم أو قوة حدثت لهم، أو بصيرة في ضلالة شغلتهم، فالأحوال منتقلة بهم في الساعات وطوارق الحادثات، ولكن ألبسهم جميعا على الانتصاح وأرجح لهم المطامع؛ فإنك لم تستعبدهم بمثله، وعدهم جزالة المثاوب في غير ما استنامة منك إلى أمر عدوك، والاغترار بما لم يأتوك به، دون أن تعمل رؤيتك في الأخذ بالحزم والاستكثار من العدة، واجعلهم أوثق من يقدر عليه إن استطعت ذلك، وآمن من تسكن إلى ناحيته ليكون ما يبرم عدوك في كل يوم وليلة عندك إن استطعت، فتنقض عليهم بتدبيرك ورأيك ما لم يرموا، وتأتيهم من حيث أقدموا وتستعد لهم بمثل ما حذروا.

واعلم أن جواسيسك وعيونك ربما صدقوك وربما غشوك، وربما كانوا لك وعليك، فنصحوا لك، وغشوا عدوك، وغشوك ونصحوا عدوك، وكثير مما يصدقونك ويصدقونه فلا يبدرن منك فرطة في عقوبة إلى أحد منهم، ولا تعجل بسوء الظن إلى من اتهمته على ذلك، وابسط من آمالهم فيك من غير أن تري أحدا منهم، أنك أخذت من قوله أخذ العامل به والمتبع له، أو عملت على رأيه عمل الصادر عنه، أو رددته عليه رد المكذب له والمتهم المستخف بما أتاك منه، فتفسد بذلك نصيحته، وتستدعي غشه، وتجتر عداوته.

احذر أن يعرف جواسيسك في عسكرك أو يشار إليهم بالأصابع، وليكن منزلهم على كاتب رسائلك وأمين سرك، ويكون هو الموجه لهم والمدخل عليك من أردت مشافهته منهم، واعلم أن لعدوك في عسكرك عيونا راصدة وجواسيس كامنة، وأن رأيه في مكيدتك مثل ما تكايده به، وسيحتال لك كاحتيالك له، ويعد لك كاعتدادك له، فاحذر أن يشعر رجل من جواسيسك في عسكرك، فيبلغ ذلك عدوك ويعرف موضعه، فيعد له المراصد ويحتال له بالمكايد؛ فإن ظفر به وأظهر عقوبته كسر ذلك ثقات عيونك، وحوله عن تطلب الأخبار من معادنها واستقصائها من عيونها، حتى يصيروا إلى أخذها عن عرض من غير الثقة، ولا معاينة لغطائها بالأخبار الكاذبة، والأحاديث المرجفة.

واحذر أن يعرف بعض عيونك بعضا؛ فإنك لا تأمن تواطؤهم عليك، وممالأتهم عدوك واجتماعهم على غشك وكذبك، وأن يورط بعضهم بعضا عند عدوك، وأحكم أمرهم؛ فإنهم رأس مكيدتك وقوام تدبيرك وعليهم مدار حربك، وهو أول ظفرك، فاعمل على حسب ذلك وجنب رجاءك به نيل أملك من عدوك وقوتك على قتالهم، وانتهاز فرصته إن شاء الله، فإذا أحكمت ذلك وتقدمت فيه، واستظهرت بالله وعونه، فول شرطتك وأمر عسكرك أوثق قوادك عندك، وآمنهم نصيحة وأقدمهم بصيرة في طاعتك، وأقواهم شكيمة في أمرك، وأمضاهم صريمة وأصدقهم عفافا وأجرأهم جنانا، وأكفاهم أمانة وأصحهم ضميرا وأرضاهم صبرا، وأحمدهم خلقا وأعطفهم على جماعتهم رأفة، وأحسنهم لهم نظرا وأشدهم في دين الله وحقه صلابة.

ثم فوض إليه مقويا له، وابسط من أمله مظهرا عنه الرضا حامدا منه الابتلاء، وليكن عالما بمراكز الجنود بصيرا بتقديم المنازل، مجربا ذا رأي وتجربة وخزم في المكيدة، له نباهة في الذكر وصيت في الولاية، معروف البيت مشهور الحسب.

وتقدم إليه في ضبط معسكرك وإذكاء أحراسه في آناء ليله ونهاره، ثم حذره أن يكون له إذن لجنوده في الانتشار والاضطراب والتقدم للطائفة، فيصاب منهم غرة يجترئ بها عدوك ويسرع إقداما عليك ويكسر من أفئدة جنودك ويوهن من قوتهم؛ فإن إصابة عدوك الرجل الواحد من جندك وعبيدك مطمع لهم منك مقو لهم على شحذ أتباعهم عليك وتصغيرهم أمرك وتوهينهم تدبيرك، فحذره ذلك وتقدم إليه فيه.

رسائل البلغاء · الصفحة ٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ٥١