تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واملك نفسك عن الانبساط في الضحك والانفهاق، وعن القطوب بإظهار الغضب وتنحله؛ فإن ذلك ضعف من سورة الجهل، وخروج من انتحال اسم الفضل.

وليكن ضحكك تبسما أو كبرا في أحايين ذلك وأوقاته، وعند كل مرأى ملهى ومستخف مطرب وقطوبك إطراقا في موضع ذلك، وأحواله بلا عجلة إلى السطوة ولا إسراع إلى الطيرة دون أن يكنفها روية الحلم، وتملك عليها بادرة الجهل.

إذا كنت في مجلس ملئك وحضور العامة مجلسك، فإياك والرمي ببصرك إلى خاص من قوادك أو ذي أثرة من حشمك، وليكن نظرك مقسوما في الجميع وإعارتك سمعك ذا الحديث بدعة هادئة، ووقار حسن، وحضور فهم مستجمع، وقلة تضجر بالمحدث، ثم لا يبرح وجهك إلى بعض قوادك وحرسك متوجها بنظر ركين وتفقد محض؛ فإن وجه أحد منهم نظره محدثا، أو رماك ببصره ملحا؛ فاخفض عنه إطراقا جميلا بإبداع وسكون، وإياك والتسرع في الإطراق، والخفة في تصاريف النظر، والإلحاح على من قصد إليك في مخاطبته إياك رامقا بنظره.

واعلم أن تصفحك وجوه قوادك من قوة التدبير وشهامة القلب، فتفقد ذلك عارفا بمن حضرك وغاب عنك، عالما بمواضعهم من مجلسك، ثم أعد بهم عن ذلك سائلا عن أشغالهم التي منعتهم من حضورك، وعاقتهم بالتخلف عنك - إن شاء الله.

إن كان أحد من أعوانك وحشمك تثق منه بغيب ضميره، وتعرف منه لين طاعة، وتشرف منه على صحة رأي، وتأمنه على مشورتك، فإياك والإقبال عليه في حادث يرد أو التوجه نحوه بنظرك عند طوارق ذلك، أو أن تريه أو أحدا من أهل مجلسك أن بك إليه حاجة موحشة، وأن ليس بك عنه غنى في التدبير، أو أنك لا تقضي دونه رأيا إشراكا له في رؤيتك، وإدخالا له في مشورتك واضطرارا إلى رأيه؛ فإن ذلك من دخائل العيوب المنتشر بها سوء القالة عند نظرائك، وانفها عن نفسك خائفا لإغفالها ذكرك، واحجبها عن رؤيتك قاطعا إطماع أولئك عن مثلها عندك، أو غلبتهم عليك منك.

واعلم أن للمشورة موضع الخلا وانفراد النظر، فابغها محرزا لها ورمها طالبا لبيانها، وإياك والقصور عن غايتها والإفراط في طلبها.

احذر الاعتزام بكثرة السؤال عن حديث ما أعجبك، أو أمر ما ازدهاك، والقطع لحديث من أرادك بحديثه، حتى تنقضه عليه بالأخذ في غيره، أو المسألة عما ليس منه؛ فإن ذلك عند العامة منسوب إلى سوء الفهم، وقصر الأدب عن تناول محاسن الأمور والمعرفة لمساوئها، وأنصت لمحدثك وارعه سمعك، حتى يعلم أنك قد فهمت عنه وأحطت معرفة بقوله؛ فإن أردت إجابته فعن معرفة حاله وبعد علم بطلبته، وإلا كنت عند انقضاء كلامه كالمتعلل من حديثه بالتبسم والإغضاء، فأجرى عنك الجواب وقطع عنك ألسن العتب.

إياك وأن يظهر منك تبرم بمجلسك وتضجر بمن حضرك، وعليك بالتثبت عند سورة الغضب وحمية الأنف وملال الصبر، في الأمر تستعجل به، والعمل تأمر بإنفاذه؛ فإن ذلك سخف سائر وخفة مردية وجهالة بادية، وعليك بثبوت المنطق ووقار المجلس وسكون الريح والرفض لحشو الكلام وترديد فضوله والاعتزام بالزيادات في منطقك، والترديد للفظك من نحو اسمع أو اعجل أو ألا ترى، أو ما يلهج به من هذه الفضول المقصرة بأهل العقل، المنسوبة إليهم بالعي، المردية لهم في الذكر، وخصال من معايب الملوك والسوقة عيبها عند النظر إلا من عرفها من أهل الأدب، وقلما حامل لها مضطلع بثقلها آخذ لنفسه بجوامعها، فانفها عن نفسك بالتحفظ منها، واملك عنها اعتقادك معنيا بها كثرة التنخم والتبزق والتنحنح والتثاؤب والجشاء والتمطي وتنقيض الأصابع وتحريكها، والعبث باللحية والشارب والمخصرة وذؤابة السيف والإيماض بالنظر، والإشارة بالطرف إلى أحد من خدمك بأمر إن أردته والسرار في مجلسك، والاستعجال في طعمك وشربك.

ليكن مطعمك مبتدعا، وشربك أنفاسا وجرعك مصا، وإياك والتسرع في الأيمان فيما صغر أو كبر من الأمور أو الشتيمة بابن الهيبة أو العمرية لأحد من خدمك وخاصتك بتسويغهم مقارفة الفسوق بمحضرك، أو في دارك وبنائك؛ فإن ذلك مما يقبح ذكره ويسوء موقع القول فيه ويحمل عليك معايبه، وينالك شينه وينشر عنك سوء نبأه، فاعرف ذلك متوقيا له، واحذره مجانبا لسوء عاقبته.

رسائل البلغاء · الصفحة ٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ٤٨