تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اعلم أن للحكمة مسالك تفضي مضايق أوائلها بمن أمها سالكا، وركب أخبارها قاصدا إلى سعة عاقبتها وأمن سرحها وشرف عزها، وأنها لا تعاف بسخف الخفة، ولا تنسى بتفريط الغفلة، ولا يتعدى فيها بأمن أحد، وقد تلقتك أخلاق الحكمة من كل جهة بفضلها من غير تعب البحث في إدراكها، ولا متطاول المنال لذروتها، بل تأثلت منها أكرم معانيها، واستخلصت منها أعتق جواهرها، ثم شمرت إلى لباب مصاصها وأحرزت منفس ذخائرها، فاقتعد ما أحرزت ونافس فيما أصبت.

واعلم أن احتواءك على ذلك، وسبقك إليه بإخلاص تقوى الله في جميع أمورك، مؤثرا لها واصطبارك على طاعته، وإعظام ما أنعم به عليك، شاكرا لها مرتبطا للمزيد بحسن الحياطة له، والذب عنه، أن تدخلك منه سآمة ملال، أو غفلة أو ضياع، أو سنة تهاون أو جهالة معرفة؛ فإن ذلك أحق ما بدئ به ونظر فيه، معتمدا عليه من القولة، والآلة والانفراد من الأصحاب والحامة، فتمسك به لاجئا إليه، واعتمد عليه مؤثرا له، والتجئ إلى كنهه متحرزا به أنه أبلغ ما طلب به رضا الله وأنجحه مسألة، وأجزله ثوابا وأعوده سعيا وأعمه صلاحا، وأرشدك الله لحظك وفهمك سداده، وأخذ بقلبك إلى محموده.

ثم اجعل لله - في كل صباح ينعم عليك ببلوغه، ويظهر منك السلامة في إشراقه - من نفسك نصيبا، تجعله لله شكرا على إبلاغه إياك يومك ذلك بصحة وعافية بدن، وسبوغ نعم وظهور كرامة، وأن تقرأ من كتاب الله - عز وجل - جزءا تردد رأيك في أدبه وتزين لفظك بقراءته، ويحضره عقلك ناظرا في محكمه وتفهمه متفكرا في متشابهه؛ فإن فيه شفاء القلوب من أمراضها، وجلاء وساوس الشيطان وسفاسفه، وضياء معالم النور تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون، ثم تعهد نفسك بمجاهدة هواك؛ فإنه مغلاق الحسنات ومفتاح السيئات.

واعلم أن كل أعدائك لك عدو يحاول هلكتك ويعترض غفلتك؛ لأنها خدع إبليس وحبائل مكره ومصائد مكيدته، فاحذرها مجانبا وتوقها محترسا منها، واستعذ بالله من شرها، وجاهدها إذا تناصرت عليك بعزم صادق لا ونية فيه، وحزم نافذ لا مثنوية لرأيك بعد إصداره عليك، وصدق غالب لا مطمع في تكذيبه، ومضاءة صارمة لا أناة معها، ونية صحيحة لا خلجة شك فيها؛ فإن ذلك ظهري صدق لك على ردها عنك، وقطعها دون ما تتطلع إليه منك، وهي واقية لك سخطة ربك، داعية لك رضا العامة، ساترة عليك عيب من دونك، فازدن به ملتحفا، وأصب بأخلاقك مواضعها الحميدة منها، وتوق عليها التي تقطعك عن بلوغها، وتقصر بك عن ساميها، فحاول بلوغ غايته محرزا لها بسبق الطلب إلى إصابة الموضع، محصنا لأعمالك من العجب؛ فإنه رأس الهوى وأول الغواية ومقاد الهلكة، حارسا أخلاقك من الآفات المتصلة بمساوي العادات وذميم إيثارها من حيث أتت الغفلة، وانتشر الضياع، ودخل الوهن، فتوق الآفات على عقلك؛ فإن شواهد الحق ستظهر بأماراتها تصديق رأيك عند ذوي النهى وحال الرأي وفحص النظر، فاجتلب لنفسك محمود الذكر، وباقي لسان الصدق بالحذر لما تقدم إليك فيه أمير المؤمنين، متحرزا من دخول الآفات عليك من حيث أمنك، وقلة ثقتك بمحكمها.

ومنها أن تملك أمورك بالقصد وتصون سرك بالكتمان، وتداري جندك بالإنصاف، وتذلل نفسك للعدل، وتحصن عيوبك بتقويم أودك، وأناتك فوقها الملال وفوت العمل، ومصابك فدرعها؟ روية النظر، واكتنفها بأناة الحلم، وخلواتك فاحرسها من الغفلة واعتماد الراحة، وصمتك فانف عنه عي اللفظ، وخف فيه سوء القالة، واستماعك فارعه حسن التفهم وقوه بإشهاد الفكر، وعطاءك فانهد له بيوتات الشرف وذوي الحسب، وتحرز فيه من السرف، وحياءك فامنعه من الخجل، وحلمك فزعه عن التهاون وأحضره قوة الشكيمة، وعقوبتك فقصر بها عن الإفراط، وتعمد بها أهل الاستحقاق، وعفوك فلا تدخله تعطيل الحقوق وخذ به واجب المفترض، وأقم به أود الدين، واستئناسك فامنع منه البذاءة وسوء المثافنة، وتعهدك أمورك فخذه أوقاتا وقدره ساعات، لا يستفرغ قوتك ويستدعي سآمتك، وعزمتك فانف عنها عجلة الرأي ولجاجة الإقدام، وفرحاتك فاشكمها عن البطر وقيدها عن الزهو، وروعاتك فحطها من دهش الرأي واستلام الخضوع، وحذارتك «فاصرفها» عن الجبن واعمد بها للحزم، ورجاءك فقيده بخوف الفائت، وامنعه من أمن الطلب.

رسائل البلغاء · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ٤٥