تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه جوامع دخائل النقض منها واصل إلى العقل بلطائف الله وتصاريف حوله، فأحكمها عارفا، وتقدم في الحفظ لها معتزما على الأخذ بمراشدها، والانتهاء منها إلى حيث بلغت بك عظة أمير المؤمنين وأدبه - إن شاء الله.

ثم ليكن بطانتك وجلساؤك في خلواتك، ودخلاؤك في سرك أهل الفقه والورع من أهل بيتك وعامة قوادك، ممن قد حنكته السن بتصاريف الأمور وخبطته فصالها بين قرائن البزل وقلبته الأمور في فنونها وركب أطوارها، عارفا بمحاسن الأمور ومواضع الرأي، مأمون النصيحة مطوي الضمير على الطاعة.

ثم أحضرهم من نفسك وقارا تستدعي منهم بك الهيبة، واستئناسا يعطف إليك منهم بالمودة، وإنصافا يغل أقاصيهم منك عما تكره أن ينتشر عنك من سخافة الرأي ويقطعك دون الفكر.

وتعلم إن خلوت بسر فألقيت دونه ستورك وأغلقت عليه أبوابك، فذلك لا محالة مكشوف للعامة ظاهر عنك، وإن استترت بما ولعل وما أرى إذاعة ذلك، فاعلم بما يرون من حالات من ينقطع به في هذه المواطن، فتقدم في إحكام ذلك من نفسك وسد خلله عنك؛ فإنه ليس أحد أسرع إليه سوء القالة ولغط العامة بخير أو شر ممن كان في مثل حالك ومكانك الذي أصبحت به من دين الله، والأمل المرجو المنتظر، وإياك أن يغمز فيك أحد من عامتك وبطانة خدمك بضعفة يجد بها مساغا إلى النطق عندك، بما لا يعتزلك عيبه، ولا تخلو من لائمته، ولا تأمن سوء القالة فيه، إن نجم ظاهرا، وعلن باديا، ولن يجترئوا على ذلك إلا أن يروا منك إصغاء إليها، وقبولا لها، وترخيصا بها.

ثم إياك أن يفاض عندك بشيء من الفكاهات والحكايات والمزاح، والمضاحك التي يستخف بها أهل البطالة، ويتسرع نحوها ذوو الجهالة، ويجد فيها أهل الحسد مقالا لعيب يرفعونه، ولطعن في حق يجحدونه، مع ما في ذلك من نقص الرأي، ودرن العرض، وهدم الشرف، وتأثيل الغفلة، وقوة طباع السوء الكامنة في بني آدم كمون النار في الحجر الصلد، فإذا قدح لاح شرره، ولهب في وميضه، ووقد تضرمه، وليست في أحد أقوى سطوة وأظهر توقدا وأعلى كمونا، وأسرع إليه بالعيب منها إلى من كان في سنك من إغفال الرجال وذوي العنفوان في الحداثة، الذين لم يقع عليهم سمات الأمور، ناطقا عليهم لائحها، ظاهرا عليهم وسمها، ولم تمحضهم شهامتها، مظهرة للعامة فضلهم مذيعة حسن الذكر عنهم، ولم يبلغ بهم الصمت في الحركة مستمعات يدفعون به عن أنفسهم نواطق ألسن أهل البغي، ومواد أبصار أهل الحسد.

ثم تعهد من نفسك لطيف عيب لازم لكثير من أهل السلطان والقدرة من أقطار الذرع ونخوة التيه؛ فإنها تسرع بهم إلى فساد رأيهم وتهجين عقولهم في مواطن جمة، منها: قلة اقتدارهم على ضبط أنفسهم في مواكبهم ومسايرتهم العامة، فمن مقلقل شخصه يكثر الالتفات تزدهيه الخفة ويبطره إجلاب الرجال حوله، ومن مقبل في موكبه على مداعبة مسايره بالمصاحبة له، والتضاحك إليه والإيجاف في السير مهمرجا وتحريك الجوارح مستسرعا يخال له أن ذلك أسرع له وأخف لمطيته، فلتحسن في ذلك هيئتك ولتجمل فيه رعيتك، وليقل على مسائلك إقبالك إلا وأنت مطرق النظر غير ملتفت إلى محدث، ولا مقبل عليه بوجهك في موكبك لمحادثته، ولا مخف في السير تقلقل جوارحك بالتحريك؛ فإن حسن مسايرة الوالي، وابتداعه في أمن حاله دليل على كثير من غيوب أمره، ومستتر أحواله.

واعلم أن أقواما سيسرعون إليك بالسعاية، ويأتونك من قبل النصيحة ويستميلونك بإظهار الشفقة، ويستدعونك بالإغراء والشبهة ويوطئونك عشوة الحيرة؛ ليجعلوك لهم ذريعة إلى استئكال العامة بموضعهم منك في القبول منهم، والتصديق لهم على من قرفوه بتهمة، أو أسرعوا بك في أمره إلى الظنة، فلا يصلن إلى مشافهتك ساع بشبهة، ولا معروف بتهمة، ولا منسوب إلى بدعة؛ فيعرضك لابتداع في دينك، ويحملك على رعيتك ما لا حقيقة فيه، ويحملك على أعراض قوم لا علم لك بدخلهم إلا بما أقدم به عليهم ساعيا، وأظهر لك منهم متنصحا.

رسائل البلغاء · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ٤٦