تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد فهمت كتابك إلي بالمودة واستحثاثك إياي في الأخوة وما دنوت به من حرمة المحبة، فنازعت إليك نفسي بمثل الذي نازعت به إلي نفسك، فواثبتني عادة الاستعمال للتروية في الخبرة، والتخير للمغبة فجلت عن كتابك جولة غير نافرة، ثم راجعت مقاربتك، فقلت ألقي إلي أسباب المودة قبل كشف الغطاء بالخبرة، فخشيت أن تعذر نفسك بالتقدم، وتحدث الزهادة للتعسف بالجهالة عند الخبرة، فجلت عن هذا جولة كالجولة الأولى، ثم عاودت إسعافك وطاعة التشوق ومعصية التخير، ثم قلت: ما حال من جعل الظن دون اليقين والتقدم قبل الوثيقة، فلما كان الرأي لي خصما تنكبت الوقوع في خلافه، فلم أجد إلا الإدبار عن إقبالك سبيلا، ولا مع ذلك في طاعة التشوق حجة، فتغيبت السبيل بين ذلك إلى إعطائك طرف حبل الإخاء في غير الخروج من سبيل التخير.

وكرهت أن تستعبدني بالإخاء، قبل أن أعرفك بحسن الملكة، وأن تستظهر بي على الأعداء قبل أن أعرفك بعدل السيرة، وأن تستضيء بي في ظلم الجهل قبل أن أعرفك بعقد اللب، وأن تستمكن بي في المطالب قبل أن أعرفك بقصد الهمة، فقدمت إليك الترحيب والعدة وأحسنت عنك المفاوضة والثقة، وتنظرت أن تثمر لي فأذوق جناك، فأعرفك بالمذاقة في الطعم، إما لافظا وإما مستبلغا ، فإن كان اللفظ لم أكن من الرأي في قلبه، وإن كان الاستبلاغ ذوقتك ما تشوقت إليه، مما ادعيت مني به الخبرة، وأول ما أنا معتبر به منك المواظبة على استنجاح ما سألت أو السآمة له؛ فإن كانت المواظبة فأحد الشهود المعدلين، وإن كانت السآمة فأنت عن حمل ما تعطي أضعف منك عن جميل ما تطلب، طالعني بكتبك فإنك قد حللت قبلي عقدا من التحفظ، وعقدت عقدا من التقرب، والسلام.

القسم الثاني

| عبد الحميد بن يحيى الكاتب

| رسالة عبد الحميد الكاتب في نصيحة ولي العهد

قال أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر في كتابه «المنثور والمنظوم»، ومن الرسائل المفردات رسالة عبد الحميد بن يحيى إلى عبد الله بن مروان، حين وجه لمحاربة الضحاك الخارجي في تعبية الحروب؛ فإنه يقال: إنها لا مثل لها في معناها:

أما بعد: فإن أمير المؤمنين عندما اعتزم عليه من توجيهك إلى عدو الله الجلف الجافي الأعرابي المتسكع في حيرة الجهالة، وظلم الفتنة، ومهاوي الهلكة، ورعاعه الذين عاثوا في الأرض فسادا، وانتهكوا حرمه استخفافا، وبدلوا نعم الله كفرا، واستحلوا دماء أهل سلمه جهلا - أحب أن يعهد إليك في لطائف أمورك وعوام شئونك ودخائل أحوالك، ومضطر تنقلك عهدا يحملك فيه أدبه ويشرع لك عظته - وإن كنت - والحمد لله - من دين الله وخلافته، بحيث اصطنعك الله لولاية العهد، مخصصا لك بذلك دون لحمتك وبني أبيك.

ولولا ما أمر الله به دالا عليه بتقدمه المعرفة، لمن كانوا أولى سابقة في «الدين»، وخصيصى في العلم، لاعتمد أمير المؤمنين منك على اصطناع الله إياك، بما يراك أهله في محلك من أمير المؤمنين، وسبقك إلى رغائب أخلاقه، وانتزاعك محمود شيمه واستيلائك على تشابه تدبيره.

ولو كان المؤدبون أخذوا العلم من عند أنفسهم، ولقنوه إلهاما من تلقائهم، ولم يتعلموا شيئا من عند غيرهم؛ لنحلناهم علم الغيب، ووضعناهم بمنزلة خالقهم المستأثر بعلم الغيب عنهم بوحدانيته وفردانيته في إلاهيته واحتجاجا منهم لتعقب في حكمه، وتثبت في سلطانه وتنفيذ إرادته على سابق مشيئته، ولكن العالم الموفق للخير المخصوص بالفضل المحبو بمزية العلم، أدركه معادا عليه بلطيف بحثه وإذلال كنفه، وصحة فهمه وهجر سآمته.

وقد تقدم أمير المؤمنين إليك أخذا بالحجة عليك، مؤديا حق الله الواجب عليه في إرشادك وقضاء حقك، وما ينظر الوالد المعنى الشفيق لولده، وأمير المؤمنين يرجو أن ينزهك الله عن كل شيء قبيح يهش له طمع، وأن يعصمك من كل مكروه حاق بأحد، وأن يحصنك من كل آفة استولت على امرئ في دين أو خلق، وأن يبلغه فيك أحسن ما لم يزل يعوده ويريه من آثار نعمة سامية بك إلى ذروة الشرف، ومنجحة لك ببسطة الكرم لائحة بك في أزهر معالي الأدب، والله أستخلف عليك وأسأله حياطتك، وأن يعصمك من زيغ الهوى ويحضرك دواعي التوفيق معانا على الإرشاد فيه؛ فإنه لا يعين على الخير ولا يوفق له إلا هو.

رسائل البلغاء · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ٤٤