تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صحبتهم وشيمتي الوفاء

فأحسن حين يحسن محسنوهم

وأجتنب الإساءة إن أساءوا

وأبصر ما يعيبهم بعين

عليها من عيوبهم غطاء

أريد رضاهم أبدا وآتي

مشيئتهم وأترك ما أشاء

لا تبتدأن أحدا بصغير مما يكره ولا بكبيره ولا بقليل مما يسخط ولا بكثيره؛ فإن ابتدأك أحد بشيء من ذلك فقدرت على الانتصار منه فعفوت أو انتصرت، فما أحسن جميع ذلك إلا أن العفو أكرم والانتصار أعز، وكلاهما حظ، وفي ذلك أقول شعرا:

فما ذات باب بحمده

فيما علمت عليه من طرق الصواب

وأي الناس ألأم من سفيه

يقول ولا يخاف من الجواب

وقال في الجهل: إياك والجهل؛ فإنما تجهل على ثلاثة: رجل أنت أعز منه فلؤم، وأما جهلك على من هو أعز منك فحيف، وأما جهلك على من هو مثلك فهراش مثل هراش الكلبين ولن يفترقا إلا مفضوحين أو مجروحين. وليس هذا من فعال الحكماء والعلماء، الحليم أرزن والجهول أنقص، وفي ذلك أقول شعرا:

ما تم علم ولا حلم بلا أدب

ولا تجاهل في قوم حليمان

ولا التجاهل إلا ثوب ذي دنس

وليس يلبسه إلا سفيهان

وقال في رؤية الرجل وخبره: إن من الناس من يعجبك حين تراه وتزداد عند الخبرة إعجابا به، ومنهم من تبغضه حين تراه وعند الخبر تكون له أكثر بغضا، ومنهم من يعجبك مخبره ولا يعجبك منظره، ومنهم من يعجبك منظره ولا يعجبك مخبره، وفي ذلك أقول شعرا:

ترى بين الرجال العين فضلا

وفيما أضمروا الغبن الغبين

ولون الماء مشتبه وليست

تخبر عن مذاقته العيون

فلا تعجل بنطق قبل خبر

فعند الخبر تنصرم الظنون

وقال أيضا في ذلك:

وما صور الرجال بها امتحان

وما فيها لمعتبر بيان

ولكن فعلهم ينبيك عنهم

به تجب الكرامة والهوان

وما الإنسان لولا أصغروه

سوى صور يصورها البنان

وقال أيضا:

لم أزل أبغض كل امرئ

وجهه أحسن من خبره

فهو كالغصن يرى ناضرا

ناعما يعجب من زهره

ثم يبدو بعده ثمر

فيكون السم في ثمره

وقال في النهي عن القبيح: وإذا رأيت من أحد أمرا فنهيته عنه فلم يحمدك، ولم يذمم نفسه على مكانه، أو يحدث حدثا تعلم أنه قد انفتح بمقالتك؛ فإن ذلك عيب آخر قد بدا لك منه لعله أقبح من الذي نهيته عنه، وفي ذلك أقول شعرا:

ولا نهيت غويا من غوايته

إلا استزاد كأني كنت أغريه

ولا نصحت له إلا تبين لي

منه الجفاء كأني كنت أغويه

وقال في المؤاخاة: لا تؤاخ أحدا إلا على اختيار منك له وارتضاء منك به واتفاق منه لك، فإذا اتفق أمر كما كذلك فاعلم أن كلاكما يحسن ويسيء ويصيب ويخطئ ويحفظ ويضيع، فوطن نفسك على الشكر إذا حفظ، وعلى الصبر إذا أضاع، وعلى المكافأة إذا أحسن، وعلى الاحتمال والمعاتبة إذا أساء؛ فإن معاتبة الصديق إذا أساء أحب إلى الحليم من القطيعة في معاشرة من تؤاخيه، وفي ذلك أقول شعرا:

وإذا عتبت على امرئ أحببته

فتوق ضائر عتبه وسبابه

وألن جناحك ما استلان لوده

وأجب أخاك إذا دعا لجوابه

واحرص أن تعرف موقعك من كل أحد حتى من أبيك وأمك؛ فإن من السخافة أن تكون لأخيك فيما يحب ويكون لك فيما تكره، وما أقبح أن تكون له فيما يكره ويكون لك فيما تحب، واعلم أن من تنفعك صداقته ولا تضرك عداوته، الكريم الذي إن أحسنت إليه كافأك، وإن أسأت إليه عاتبك، وأما من تضرك عداوته ولا تنفعك صحبته، فهو الجاهل السفيه اللئيم، وفي ذلك أقول شعرا:

من الناس من إن يرض لا تنتفع به

ولكن متى يسخط فما شئت من ضرر

ضعيف على الأعداء لكن قلبه

أشد إذا لاقى الصديق من الحجر

وقال في تقلب الدنيا شعرا:

إنما الدنيا سراج

ضوءه ضوء معار

بينما غصنك غصن

ناعم فيه اخضرار

إذ رماه الدهر يوما

فإذا فيه اصفرار

وكذاك الليل يأتي

ثم يمحوه النهار

وقال في المداراة: إذا هبطت بلدا أهلها على غير ما تعرف، وأنت على غير ما يعرفون، فالزم كثيرا من المداراة فما أكثر من دارى ولم يسلم، فكيف من لم يكن منه مداراة، وفي ذلك أقول شعرا:

يا ذا الذي أصبح لا والدا

رسائل البلغاء · الصفحة ١٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ١٢٥