له على الأرض ولا والده
قد مات من قبلهما آدم
فأي نفس بعده خالده
إن جئت أرضا أهلها كلهم
عور فغمض عينك الواحده
ولا تقاتلن أحدا تجد من قتاله بدا؛ فإنما الحق لمن غلب ولا غالب إلا الله، وإن آخر الدواء الكي فلا تجعله أولا، وفي ذلك أقول شعرا:
وكم رأينا من أخي غبطة
أصبح مسرورا وأمسى حزينا
وكم فتى يركب طاحونة
للحرب قد أصبح فيها طحينا
وقال في الإعسار والإيسار:
كم من صديق لنا أيام دولتنا
وكان يمدحنا قد صار يهجونا
إني لأعجب ممن كان يصحبنا
ما كان أكثرهم إلا يراءونا
لم ندر حتى انقضت عنا إمارتنا
من كان ينصحنا أو كان يغوينا
من كان ينصفنا ما كان يصحبنا
إلا ليخدعنا عما بأيدينا
وقال في الصفة والتفضل: لا يكن من وصلك أحق بصلتك منك بصلته، ولا من تفضل أولى بالتفضل منك عليه؛ فإنما أنت وهو كرجلين ابتدرا أكرومة فقصر أحدهما وبلغ الآخر؛ فإنما القاصر قصر على حظ نفسه، وأما البالغ فبلغ بجميل أمره وعظيم قدره.
وقال في القدر: إذا كان الرجل لبيبا فاعلم أنه كامل، ولكن لن يقدمه ذلك إلى ما كان يطلب، ولن يؤخره عما كان يحاذر إلا بقدر يلحق به ما طلب ويسبق به ما يحذر، وإن من الناس من يؤتى منطقا وعقلا ولا يؤتى مالا، ومنهم من يؤتى مالا ولا يؤتى غيره، فيحتاج مع ماله إلى عقل ذي العقل ومنطقه، ويحتاج ذو العقل إلى مال ذي المال ورفده وينهض هذا بهذا وهذا بهذا، فليس لأحدهما إذن غنى عن الآخر، فأحوج الملك إلى السوقة وأحوجت السوقة إلى الملك.
وقال في التفاضل: لا تقل فلان أغنى مني، وأنا أعز منه؛ فإنه لو جمع العقل والشدة والشجاعة والمال وأشباه ذلك لقوم وبقي قوم لا شيء لهم لهلكوا، ولكن الله - عز وجل - قال:
أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات (الزخرف: 32) فأوتي بعضهم عقلا وبعضهم قوة، وبعضهم مالا مع أشياء مما يكون فيه صلاحهم وبه معايشهم، ثم أحوج بعضهم إلى بعض فعاشوا، وإنما مثل الرجل ورزقه ومثل عقله وأدبه ومروءته وحكمه، كمثل الرامي ورميته، فلا بد للرامي من سهم، ولا بد لسهمه من قوس، ولا بد لقوسه من وتر، ولا بد لجميع ذلك من قدر يبلغ به ما رشق ويصيب به ما يبلغ ويحوز به ما أصاب، وإلا فلا شيء فالرامي الرجل والرمية الرزق، ولا يجمع بينهما عقل ولا عز ولا شيء من ذلك إلا بقدر، وفي ذلك أقول شعرا:
ما القوس إلا عصا في كف صاحبها
يرعى بها الضأن أو يرعى بها البقر
أو عود بان وإن كانت معقفة
حتى يضم إليها السهم والوتر
وإن جمعت لها هذين فهي عصا
حتى يساعد من يرمي بها القدر
وقال: إن حسن السمت وطول الصمت ومشي القصد من أخلاق الأتقياء، وإن سوء السمت وترك الصمت ومشي الخيلاء من أخلاق الأشقياء، فإذا مشيت فوق الأرض فاذكر من تحتها، وكيف كانوا فوقها وكيف حلوا بطنها، وكيف كانوا أمما؟! واعلم أن ابن آدم أعز من الأسد وأشد من العمد ما لم تصبه أدنى شوكة وأدنى مرض وأدنى مصيبة؛ فإذا أصابه شيء من ذلك وجدته أهون من الذرة وأمهن من البعوضة؛ فلا يغررك تجبره وتكبره وتفرعنه واستطالته، وفي ذلك أقول شعرا:
ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا
فكم تحتها قوم هم منك أرفع
فإن كنت في عز وحرز ومنعة
فكم طاح من قوم هم منك أمنع
وقال في الغني والقنوع: إن الغنى في القلب فمن غنيت نفسه وقلبه غنيت يداه ومن افتقر قلبه لم ينفعه غناه، وفي ذلك أقول شعرا:
إذا المرء لم يقنع بشيء فإنه
وإن كان ذا مال من الفقر موقر
إذا كان فضل الله يغنيك عنهم
فأنت بفضل الله أغنى وأيسر
وقال في الرأي والمشاورة: إذا استشير نفر أنت أحدهم فكن آخر من يشير فإنه أسلم لك من الصلف وأبعد لك من الخطأ، وأمكن لك من الفكر وأقرب لك من الحزم، وفي ذلك أقول شعرا:
ومن الرجال إذا زكت أحلامهم
من يستشار إذا استشير فيطرق