وإن من السيوف لما يصقل ويسقى ويخدم ثم يباع بأدنى الثمن، ومنها ما يباع بزنته درا وزبرجدا، وذلك على نحو الحديد وجودته أو رداءته، وكذلك الرجلان يتأدبان بأدب واحد ثم يكون أحدهما أنفذ من الآخر أضعافا مضاعفة، وإنما ذلك على قدر العقل وقوته في الأصل، وفي ذلك قلت شعرا:
وقد يصلح التأديب من كان عاقلا
وإن لم يكن عقل فلا ينفع الأدب
وقال في المراء: إذا اجتمع أهل نوع فتذاكروا على نوعهم ذلك، فلم يكن أصل كل واحد منهم أن ينفع بما أسمع وينتفع بما سمع؛ فاعلم أن تذاكرهم ذلك من أول المراء يصدع العلم، ويوهن الود، ويورث الجمود، وينشئ الشحناء، وينغل القلب، وفي ذلك أقول شعرا:
تجنب صديق السوء واصرم حباله
فإن لم تجد عنه محيطا فداره
وأحبب صديق الخير واحذر مراءه
تنل منه صفو الود ما لم تماره
وقال في الحكمة: أما ما يسمع من كثير من الحكمة؛ فإن أوله شيء يخطر على الأفئدة إذا خطر، وهو أصغر من الخردلة، وأدق من الشعرة، وأوهن من البعوضة، ثم تحركه الألسنة، وتنبذه الأفئدة كما يحاك البرد، وكما يمد النهر فيعود أكثر من الكثير، وأوثق من الحديد، وأثمن من الجوهر، وأحسن من الذهب، وأنفع من كليهما؛ لأنه يزيد في المنطق، ويذكي الذهن، ويعين على الإبلاغ، ويتجمل به القائل، ويتقلب فيه كيف يشاء، ويختار منه ما يشاء فينتفع به اللطيف، وينبل به السخيف، ويتزيد به الكثيف، ويتأبد به الضعيف، ويزداد به الأيد قوة في منطقه وبلاغة في كتبه؛ فيكون في حفظه منفعة للخطباء في خطبهم، وللبلغاء في بلاغتهم وكتبهم، وللكرماء في بشاشتهم، وللشعراء في قصائدهم، فإذا كنت ممن يؤلف حكمة، أو يضع رسالة، أو يذكر في مهمة فلا تكمه قلبك، ولا تكره ذهنك؛ فإنه إذا أكره كل ووقف ولكن إن كنت في شيء من ذلك فاستعن بالتفرغ منه على التفرغ له، والتأخر عنه على التقدم فيه؛ فإن الذهن يجم كما يجم البئر ويصفو كما يصفو الماء.
وقال في الكلام وإخراجه: اعلم أن مثل الكلام كمثل الحجارة فمنها ما هو أعز من الذهب والفضة، ومنها ما لا يعطى في الصخرة العظيمة منه درهم، وفي ذلك أقول شعرا:
وما الحجر الكبير أعز فيما
ظفرت به من الحجر الصغير
وكم أبصرت من حجر خفيف
صغير بيع بالثمن الكثير
وقال في طلاقة الوجه وحسن الخلق: كن أسهل ما تكون وجها، وأظهر ما تكون بشرا، وأقصر ما تكون أمدا، وأحسن ما تكون خلقا، وألين ما تكون كنفا، وأوسع ما تكون أخلاقا فإن الأيام والأشياء عقب ودول؛ فإن أنكرت منها شيئا يوما ما، كان ما أنكرت منها شيئا خفيفا على أهل الشماتة، وعلى أهل الصفاء، واحذر أن تحزن من يحبك، وتفرح من يحسدك فلم أر في مصاب الدهر مصيبة أوحش من تغيير النعمة، وإن أنت لم تنكر منها شيئا ودامت لك بما تريد فما من الدنيا شيء تناله بدعة ورفق إلا وهو أهنا مما نيل بتعب ونصب، فأما من كفي وعوفي فما يصنع بالغضب والتضايق وإنهما هم العمر ونكد الدهر، وفي ذلك أقول شعرا:
ما تم شيء من الدنيا علمت به
إلا استحق عليه النقض والغير
ولا تغير من قوم نعيمهم
إلا تكدر منه الورد والصدر
فعاد غما ولن تلقى أمرأ أبدا
أغم من ملك أيام يفتقر
وقال في الكذب:
كذبت ومن يكذب فإن جزاءه
إذا ما أتى بالصدق أن لا يصدق
وقال فيه أيضا:
إذا ما رأيت المرء حلو لسانه
كذوبا فأيقن أنه لا حيا له
ولا خير في الإنسان إن لم يكن له
حياء ولا في كل من لا وفا له
وقال في الإخوان:
ليس من كان في الرخاء صديقا
وعدو الصديق بعد الرخاء
عدة في إخائه لصديق
إنما ذاك عدة الأعداء
لو ظفرنا بذي إخاء أمين
لاشترينا إخاءه بالغلاء
لو وجدنا أخا متينا امينا
لاتخذنا إخاءه للشفاء
أما الرفقاء في السفر، والجلساء في الحضر، والخلطاء في النعم، والشركاء في العدم؛ فاحفظ مصاحبتهم وواظب على إخائهم وفي ذلك أقول شعرا:
وكنت إذا صحبت رجال قوم