تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال في معرفة الإخوان: إنك لن تعرف أخاك حق المعرفة، ولن تخبره حق المخبرة، ولن تجربه حق التجربة، وإن كنتما في دار واحدة حتى تسافر معه، أو تعامله بالدينار والدرهم، أو تقع في شدة أو تحتاج إليه في مهمة، فإذا بلوته في هذه الأشياء فرضيته فانظر؛ فإن كان أكبر منك فاتخذه أبا، وإن كان أصغر منك فاتخذه ابنا، وإن كان مثلك فاتخذه أخا، وكن به أوثق منك بنفسك في بعض المواطن.

وقال: كن من الكريم على حذر إن أهنته، ومن اللئيم إن أكرمته، ومن العاقل إن أحرجته، ومن الأحمق إن مازحته، ومن الفاجر إن عاشرته، ولا تدل من لا يحتمل إدلالك، ولا تقبل على من لا يحب إقبالك، وكن حذرا كأنك غر، وكن ذاكرا كأنك ناس ، والزم الصمت إلى أن يلزمك التكلم؛ فما أكثر من يندم إذا نطق وأقل من يندم إذا لم ينطق. وإذا ابتليت فعند ذلك تعرف جودة منطقك، وقلة زللك، وسعة عفوك، وقلة حيلتك، ومنفعة قوتك، وحسن تخلصك.

واعلم أن بعض القول أغمض من بعض، وبعضه أبين من بعض، وبعضه أخشن من بعض، وبعضه ألين من بعض، وإن كان واحدا فإن الكلمة اللينة لتلين من القلوب ما هو أخشن من الحديد، وإن الكلمة الخشنة لتخشن من القلوب ما هو ألين من الحرير، وإن أعظم الناس بلاء وأدومهم عناء وأطولهم شقاء من ابتلي بلسان مطلق، وفؤاد مطبق؛ فهو لا يحسن أن ينطق، ولا يقدر أن يسكت.

واعلم أن ليس يحسن أن تجيب من لا يسألك، ولا تسأل من لا يجيبك، وفي ذلك أقول شعرا:

لا خير في حلم إذا لم يكن له

بوادر تحمي صفوه أن يكدرا

ولا خير في جهل إذا لم يكن له

حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا

وقال في الرفق بالدواب: إن رفق الرجل بدوابه وحسن تعاهده وقيامه عليها؛ عمل من أعمال البر، وسبب من أسباب الغنى، ووجه من وجوه المروءة. وقال: التدبير مع المال القليل خير من المال الكثير مع سوء تدبير، وإنما المنفقون ثلاثة: جواد مبذر، وكريم مقدر، ولئيم مقتر، وفي ذلك أقول شعرا:

رب مال سينعم الناس فيه

وهو عن ربه قليل الغناء

كان يشقى به وينصب حينا

ثم أمسى لمعشر غرباء

ما له عندهم جزاء اذا ما

أنعموا فيه غير سوء الثناء

رب مال يكون غما وذما

وغني يعد في الفقراء

وقال في تصنيف الطعام: إذا كنت ممن يؤكل طعامه، وتحضر مائدته، ويؤكل معه، فليكن الذي يتولى صنعة طعامك من ألب الناس في عمله، وأنظفهم في يديه، ولا تدع إعلامه إن أحسن، ولا إنذاره إن أساء؛ فإن تعتبك عليه خير من تعتب الناس عليك. واعلم أن لكل شيء غاية، وأن غاية الاستنقاء التنظيف في الاستنجاء، والإكثار من الماء حتى يستوي اليدان والريح والمنظر؛ فإنه لا طيب أطيب من الماء ولو أنه المسك وما أشبهه من الأشياء، وإنما يستدل على نظافة الرجل بنقاء أثوابه، وإنما يكون القذر في الحمقى من الرجال والنساء، وبه يستدل على بلادتهم، وفي ذلك أقول شعرا:

ولا خير قبل الماء في الطيب كله

وما الطيب إلا الماء قبل التطيب

وما أنظف الأحرار في كل مطعم

وما أنظف الأحرار في كل مشرب

وقال في صفة العدو والصديق: احرص ألا يراك صديقك إلا أنظف ما تكون، ولا يراك عدوك إلا أحصن ما تكون؛ فأما الصديق؛ فإن كان الذي أعجبه منك خلقك أو خلقك، ولهما كان يحبك فكلما ازددت حسنا كان حبه لك أكثر، ورغبته فيك أوفر وأكثرك عنده وأكبر لك في صدره، وأدوم على عهدك، وأما العدو فليس شيء أعجب إليه من دمامتك وخساستك، فاحترس منه وأظهر الجميل فليس شيء أعجب إليه من التمكن منك، فانظر ألا يكون شيء أعجب إليك من التحصن منه.

وقال في العقل والأدب: اعلم أن العقل أمير، وأن الأدب وزير؛ فإن لم يكن وزير ضعف الأمير، وإن لم يكن أمير بطل الوزير، وإنما مثل العقل والأدب كمثل الصيقل والسيف؛ فإن الصيقل إذا أعطي السيف أخذه فصقله فعاد جمالا ومالا وعضدا يعتمد عليه ويلتجأ إليه، فالصيقل الأدب والسيف العقل، فإذا وجد الأدب عقلا نفقه ووفقه وقواه وسدده كما يصنع الصيقل بالسيف، وإذا لم يجد عقلا لم يعمل شيئا؛ لأنه لا يصلح إلا ما وجد.

رسائل البلغاء · الصفحة ١٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ١٢٣