تظل في قلبه البغضاء كامنة
فالقلب يكتمها والعين تبديها
والعين تعرف في عيني محدثها
من كان من حزبها أو من يعاديها
عيناك قد دلتا عيني منك على
أشياء لولاهما ما كنت أدريها
إن الأمور التي تخشى عواقبها
إن السلامة منها ترك ما فيها
وقال في كثرة المال وقلته: لا تستكثر مال أحد ولا تستقله، حتى تعلم ما عياله؛ فإن من كثر ماله وعياله فهو مقل، ومن قل ماله وعياله فهو مكثر.
وقال في ذكر الأحمق ودخوله فيما لا يعنيه: وأكثرهم دخولا بما لا يدخل فيه، وأرضاهم بما لا يكفيه، عدوه أعلم بسره من صديقه، وصديقه قد غص منه بريقه، ولا يثق بمن نصحه، ولا يتهم من خدعه، ولا يأمن إلا من يخونه، ولا يتحفظ إلا ممن يحفظه، ولا يكرم إلا من يهينه، أشبه شيء خلقا باللئيم، إن أحسنت إليه لم يشكر، وإن أسأت إليه لم يشعر، لا ينفعك من وجه إلا ضرك من وجوه: إن أقبل عليك لم يسرك، وإن أدبر عنك لم يضرك، إن أفسد شيئا لم يحسن أن يصلحه، وإن أصلح شيئا أفسده، إن أحببته فرأى منك حسنا لم يحسن أن ينشره، وهو مع ذلك بخطئه أشد إعجابا من العاقل بصوابه، إن جلس إلى العلماء لم يزدد إلا جهلا، وإن جلس إلى الحكماء لم يزدد إلا طيشا، وإنما جعل نفسه المحدث لهم يكلفهم أن يكونوا المنصتين له!
أعيا الناس إذا تكلم، وأجهلهم إذا تعلم، وأصحبهم لمن يشينه، وأرفضهم لمن يزينه، وأشدهم في موضع اللين، وألينهم في موضع الشدة، وأجبنهم في موضع الشجاعة، إن افتقر عجب من الناس كيف يستغنون، وإن استغنى عجب من الناس كيف يفتقرون، لا يفهم إن حدثته ولا يفقه إن أفهمته، ولا يقبل إن وعظته، ولا يذكر إن ذكرته، وفي ذلك أقول شعرا:
المرء يصرع ثم يشفى داؤه
والحمق داء ليس منه شفاء
والحمق طبع لا يحول مركب
ما إن لأحمق فاعلمن دواء
وقال في ذكر الهوى: إن من الناس من إذا هوى عمي، ومنهم إذا هوى أبصر مرة وعمي أخرى، ومنهم إذا هوى لم يكد يخفى عليه شيء، وهو اللبيب العاقل الحليم الكامل، الذي إن أعجبه أمر نظر إلى هواه وعقله؛ فإن اتفقا اتبعهما، وإن اختلفا اتبع عقله وترك هواه، وكان أمره معتدلا يشبه بعضه بعضا، وقليل ما هم، وفي ذلك أقول شعرا:
أملك هواك إذا دعاك فربما
قاد الحليم إلى الهلاك هواه
الله يسعد من يشاء بفضله
وإذا أراد شقاءه أشقاه
وقال أيضا، في أناس تحسن وجوههم عند حاجاتهم، وتغبر وجوههم عند غناهم؛ شعرا:
أرى قوما وجوههم حسان
إذا كانت حوائجهم إلينا
وإن كانت حوائجنا إليهم
تغير حسن أوجههم علينا
ومنهم من سيمنع ما لديه
ويغضب حين يمنع ما لدينا
فإن يك فعلهم شحا وفعلي
قبيحا مثله فقد استوينا
وقال فيمن فعل أمرا لا يحسن أن يحتال له: اعلم أن من قاتل بغير عدة، أو خاصم بغير حجة أو صارع بغير قوة؛ فهو الذي صرع نفسه وخصم نفسه وقتل نفسه؛ فإن ابتليت بقتال أحد أو مخاصمته أو مصارعته، فأحسن الإعداد له، واعرف مع ذلك عدته وأبصر حجته، واخبر قوته كما يخبر قوتك وحجتك وعدتك؛ فإن رأيت تقدما وإلا كان التأخر قبل التقدم خيرا من التندم بعد التقدم، وفي ذلك أقول شعرا:
إذا ما أردت الأمر فاعرفه كله
وقسه قياس الثوب قبل التقدم
لعلك تنجو سالما من ندامة
فلا خير في أمر أتى بالتندم
وإن من الناس من يرزق حجة أو عدة أو قوة، فتكون عدته هي التي تقتله، وقوته التي تصرعه، وحجته التي تخاصمه، وذلك أنه ربما أدل فقاتل قبل أن يعلم أهو أعد أم الذي يقاتله، وكذلك في الذي يخاصمه ويصارعه، فإذا هو قد قتل أو صرع أو خصم، فلم ينفعه جودة عدته ولا قوة حجته، حين أتى الأمر من غير جهته، وفي ذلك أقول:
إذا ما أتيت الأمر من غير وجهه
تصعب حتى لا ترى منه مرتقى
فإن الذي يصطاد بالفخ إن عتا
على الفخ كان الفخ أعتى وأضيقا
وقال في الذي يعاتب الناس بغير مودتهم، ويوجب حق نفسه عليهم: لا تدع الناس إلى برك وإجلال أمرك وتعظيم قدرك بالمعاتبة، ولكن ادعهم إلى ذلك بما ما تستوجب التكرمة به؛ فإنما دعوتهم إلى إهانتك إما بكلام يجرحك وإما بفعال تفدحك وإن دعاهم إلى ذلك فضلك أجابوا، إما بثناء يرفعك أو بجزاء ينفعك.