لبكت بصاعي صاع عجوة
إلى صاع سمن فوقه يتريع
فقلت لبطني أبشري اليوم أنه
حوى أمنا مما تحوز وترفع
فإن يك مصبورا فهذه ادواؤه
وإن يك غرثا نافذا يوم يشبع
وقال الحطيئة:
أعددت للضيفان كلبا ضاريا
عندي وفضل هراوة من أرزن
ومعاذرا كذبا ووجها باسرا
وتشكيا عض الزمان الألزن
وهذا شر القوم وليس من الناس صنف، إلا وفيه الخير والشر، على ذلك أسست الدنيا وعليه درج الناس. ولولا أحدهما ما عرف الآخر، وإنما يقضى بأغلب الأمور ويحكم بأشهر الأخلاق. وليس في ثلاثة من الشعراء أو أربعة ما هدر مكارم أخلاق آلاف من الناس وبدد صنعاءهم؛ فهذا كعب بن مامة آثر بنصيبه من الماء رفيقه النمري حتى مات عطشا، وهذا حاتم الطائي قسم ما له بضع عشرة مرة، ومر في سفره على عنزة وفيهم أسير فاستغاث به، ولم يحضره شيء فاشتراه من العنزيين فخلاه، وأقام مكانه في القيد حتى أدى فداءه، وكل فخر في طي فهو راجع إلى نزار، ولهم الجبلان وهما بنجد وأخذهم بآدابهم وتخلقهم بأخلاقهم.
وهذا عدي شاطر ابن دارة الشاعر ماله، وهذا معن في الإسلام كان يقال فيه حدث عن البحر ولا حرج وعن معن ولا حرج، وأتاه رجل يستحمله. فقال: يا غلام، أعطه فرسا وبرذونا وبغلا وعيرا وبعيرا وجارية. ولو عرفت مركوبا غير هذا لأعطيتكه، وهذا نهيك بن مالك بن معاوية باع إبله وانطلق بأثمانها إلى منى فأنهبها، والناس يقولون مجنون. فقال:
لست بمجنون ولكني سمح
أنهبكم مالي إذا عز القمح
وهذا شيء يكثر جدا ويتسع القول فيه، ويخرج الكتاب من فنه باستقصائه، وكان غرضنا في هذا الكتاب أن ننبه بالقليل من كل شيء في عيون الأخبار، وأما تعييرهم إياهم بخبيث المطعم كالعلهز والحيات وخبيث المشرب كالفظ والمجدوح؛ فإن هذا وأشباهه طعام المجاوع والضرورات وطعام نازلة الفقر والفلوات. وقال الشاعر:
إذا السنة الشهباء حل حرامها
يريد أنهم يأكلون فيها الميتة. وقال الراعي:
إلى ضوء نار يشتوي القد أهلها
وقد يكرم الأضياف والقد يشتوى
وإنما كان يكون هذا عيبا، لو كانت العرب مختارة له في حالة اليسر، كما تختار بعض العجم الذباب، وبهم عنه غنى، والسراطين والدجاج لهم معرضة، فأما حال الضرورة، فالناس كلهم يعسرون فمن لم يجد اللحم أكل اليربوع والضب، ومن لم يجد الماء شرب المجدوح والفظ.
قال الأصمعي: أغير على إبل حريثة، فذهب فركب بحيرة، فقيل: أتركب الحرام، فقال: يركب الحرام من لا حلال له. وقال الشاعر:
يا ليت لي نعلين من جلد الضبع
كل الحذاء يحتذي الحافي الوقع
ومما يدلك على أن أهل الثروة منهم على خلاف ما عليه الصعاليك، والغثر قول الشاعر:
فما لحم الغراب لنا بزاد
ولا سرطان أنهار البريض
فانتفى من أكل لحوم الغربان، وعير بها قوما.
وقال آخر لامرأته:
أكلت دما إن لم أرعك بضرة
بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
فلو كان شرب المجدوح عنده محمودا لم يجعل يمينه شرب الدم، كما يقول القائل شركت بالله إن لم أفعل كذا وكذا.
وقال آخر:
نعاف وإن كانت خماصا بطوننا
لباب النقي والعجاب المجردا
يريد أنه يرغب، وإن كان جائعا عن أكل الخبز بالتمر، إلى أكله بالشحم، ونزل رجل من العرب فقدم إليه جراد فعافها، وأنشأ يقول:
لحى الله بيتا ضمني بعد هجعة
إليه دجوجي من الليل مظلم
فأبصرت شيخا قاعدا بفنائه
هو العير إلا أنه يتكلم
أتاني بيرقان الدبا في إنائه
ولم يك في مرق الدبا لي مطعم
فقلت له غيب إناءك واعتزل
فهل ذاق هذا لا أبا لك مسلم
وأما أكلهم العلابي والعروق واللحم النيء، وتركهم طيبة الأطعمة والأطبخة وحسن الأدب عند الأكل؛ فهذا لعمري هو الأغلب على من غلب عليه الفقر، فأما ذوو النعمة واليسار والأقدار، فقد كانوا يعرفون أطايب الطعام ويأكلونها، ويأخذون بأحسن الأدب عليها.
فالمضيرة لهم، واسمها يدلك على ذلك، تطبخ باللبن الماضر وهو الحامض، فاشتق اسمها منه.