تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والهريسة لهم سميت بذلك؛ لأنها تهرس؛ أي تدق، ويقال للمدق: المهراس.

والوشيقة لهم والعامة تسميها العشيقة، سميت بذلك؛ لأنها توشق، أي: تقطع صغارا.

والعصيدة لهم سميت بذلك؛ لأنها تعصد إذا عملت، أي: تلوى وكل شيء ألويته فقد عصدته، ومنه قيل للمائل عنقه عاصد. وقال مزرد:

لبكت بصاعي حنطة صاع عجوة

إلى صاع سمن فوقه يتريع

وهذا هو العصيدة. وقال أمية بن أبي الصلت في عبد الله بن جدعان:

له داع بمكة مشعل

وآخر فوق دارته ينادي

إلى ردح من الشيزى ملاء

لباب البر يلبك بالشهاد

وهذا هو الفالوذ، وهم أوصف الناس للطعام، وألطفهم في ذكره.

حدثني أبو حاتم قال: حدثني الأصمعي، قال: حدثنا أبو طفيلة، قال: حدثنا شيخ من أهل البادية، قال: ضفنا فلانا بحنطة كأنها مناقير النغران، وتمر كأنها أعناق الورلان يوحل فيها الضرس.

وحدثنا الأصمعي أيضا عن أعرابي أنه قال: تمرنا خرس فطس يغيب فيه الضرس، كأن نواهن ألسن الطير تضع التمرة في فيك، فتجد حلاوتها في كعبك.

وحدثني عبد الرحمن عن عمه قال: قال شيخ من أهل المدينة: فأتاني بمرقة كان فيها مشقا، فلم أر إلا كبدا طافية فغمست يدي، فوجدت مضغة فمددتها فامتدت حتى كأني أزمر في ناي، ولهم أطبخة كثيرة ومن أطبختهم الغسانية، وهي لا تعرفها عامتنا كالحيسة والربيكة والخزيرة واللفيتة، تركت ذكرها واقتصرت على ما تعرف. وكانوا يقولون: أطيب اللحم عوذه: يريدون أطيبه ما ولي العظم كأنه عاذبه. وكانوا يقولون إذا أكلتم فسموا وادنوا يريدون ب «ادنوا»: كلوا مما بين أيديكم. وكانوا يكرهون أكل الدماغ ويرون استخراجه رغبا وحرصا. وقال قائلهم:

ولا يتقي المخ الذي في الجماجم

ومن قبائل العرب من يعاف إلية الشاة، ويقولون هي طبق الاست. وقال قائلهم:

وللموت خير من زيادة باخل

يلاحظ أطراف الأكيل على عمد

وكانوا يمدحون بقلة الأكل. وقال أعشى باهلة:

تكفيه حزة فلذان ألم بها

من الشواء ويروي شربة الغمر

ويعيبون بالشره والنهم والكسل، ويقولون للبخيل الأكول أبرما قرونا، يريد أنه لا يخرج مع أصحابه ماشيا ويأكل تمرتين، وأهل البرم الذي لا يسير مع القوم. وقال بعض الرجاز:

تسألنا عن بعلها أي فتى

خب جبان وإذا جاع بكى

لا حطب القوم ولا القوم سقى

ولا ركاب القوم إن ضلت بغى

ويأكل التمر ولا يلقي النوى

ولا يواري فرجه إذا اصطلى

كأنه غرارة ملاي حثا

وقال الأحنف: جنبوا مجلسنا ذكر النساء والطعام؛ فإني أبغض أن يكون الرجل وصافا لبطنه وفرجه.

وإن من المروءة أن يترك الرجل الطعام وهو يشتهيه. وقال قائلهم: أقلل طعاما، تحمد مناما. وقال أيضا: غلبت بطنتي فطنتي.

وقال عمرو بن العاص لمعاوية يوم حكم الحكمان: أكثروا الطعام، فوالله ما بطن قوم إلا فقدوا بعض عقولهم، وما مضت عزمة رجل بات بطينا.

ومثل هذا كثير لمن تتبعه، فكيف تكون المعرفة بالطعام والأدب عليه إلا كما وصفنا.

فأما تركهم إنضاج اللحم، فلا أعلمه إلا في موضع واحد، وهو إذا سافروا أو غزوا فإنهم يتمدحون بترك الإنضاج لعجلة الزماع. وقال الشماخ:

وأشعث قد قد السفار قميصه

يجز الشواء بالعصا غير منضج

وقال الكميت:

ومرضوفة لم تون في الطبخ طاهيا

عجلت إلى محورها حين غرغرا

ولم يزل الشرب إذا اجتمعوا الأحداث من أولاد الملوك، وغيرهم يبادرون بالنشيل قبل النضج.

قال أعرابي نحر بعيره وشرب:

عللاني إنما الدنيا علل

ودعاني من ملام وعذل

وانشلا ما اغبر من قدريكما

واسقياني أبعد الله الحجل

وأما أكلهم سقط المائدة؛ فإنه إكرام للطعام وإعظام للنعمة، وجنس من الشكر لواهبها، ونبذه في المزابل استخفاف به، وتصغير له وبخس بمؤتيه حق عطيته، ومن وهب لك شيئا صنته وعظمته؛ سمحت لك نفسه بالزيادة منه، وإن احتقرته وازدريته كان حريا أن يقطعه، والطعام أعظم نعم الله على خلقه بعد معرفته؛ لأنه مثبت الروح وممسك الرمق، فمن صانه فقد عظم نعمة الله، واستوجب زيادة الله ومن امتهنه في غير ما خلق له، فقد صغرها واستوجب سخط الله.

رسائل البلغاء · الصفحة ١١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ١١٤