تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تعد معاذرا لا عذر فيها

ومن يقتل أخاه فقد ألاما

ومن أعجب أمر في الجوار قصة أبي حنبل، حارثة بن مر. وكان الجراد سقط بقرب بيته فقصد الحي لصيده، فلما رآهم قال: أين تريدون، قالوا: نريد جارك هذا. فقال: أي جيراني، قالوا: الجراد. فقال: أما إذ جعلتموه لي جارا، فوالله لا تصلون إليه، ثم منع منه حتى انصرفوا، ففخر بعضهم. فقال:

لنا هضبة ولنا معقل

صعدنا إليه بصم الصعاد

ملكناه في أوليات الزمان

من بعد نوح ومن بعد عاد

ومنا ابن مر أبو حنبل

أجار من الناس رجل الجراد

وزيد لنا ولنا حاتم

غياث الورى في السنين الشداد

وقال قيس بن عاصم، يذكر قومه:

لا يفطنون لعيب جارهم

وهم لحفظ جواره فطن

وقال مسكين الدارمي:

ناري ونار الجار واحدة

وإليه قبلي تنزل القدر

ما ضر جارا لي يجاورني

أن لا يكون لبابه ستر

وقال الحطيئة يعد محاسن قومه:

أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا

وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا

وإن كانت النعماء فيهم جروا بها

وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا

يسوسون أحلاما بعيدا أناتها

وإن غضبوا جاء الحفيظة والجد

أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم

من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا

ولهم الضيافة عامة شاملة في جميع البادين منهم، والإيثار على النفس والجود بالموجود، وأفضل العطاء جهد المقل.

وقال عثمان بن أبي العاص: لدرهم يخرجه أحدكم من جهد، فيضعه في حق خير من عشرة آلاف درهم يخرجها أحدنا غيضا من فيض. ولولا ما تواصوا به من الضيافة، وتحاضوا عليه من الإيثار لمات الخير وأبدع به دون غايته. وقال أرطاة بن سهية:

وما دون ضيفي من تلاد تحوزه

إلى النفس إلا أن تصان الحلائل

وقال ابن أبي الزناد: قال عبد الملك بن مروان: ما يسرني أن أحدا من العرب ولدني إلا عروة بن الورد؛ لقوله:

وإني امرؤ عافي إنائي شركة

وأنت امرؤ عافي إناؤك واحد

أتهزأ مني أن سمنت وأن ترى

بجسمي مس الحق والحق جاهد

أقسم جسمي في جسوم كثيرة

وأحسو قراح الماء والماء بارد

يريد أنه يقسم قوته على أضيافه، فكأنه قسم جسمه؛ لأن اللحم الذي ينبت ذلك الطعام يصير لغيره، ويحسو قراح الماء في الشتاء، ووقت الجدب والضيق؛ لأنه يوثر باللبن، فتوقف على هذا الشعر، وعلى ما فيه من شريف المعاني. وقال آخر:

إذا ما عملت الزاد فالتمس له

أكيلا فإني غير آكله وحدي

بعيدا قصيا أو قريبا فإنني

أخاف مذمات الأحاديث من بعدي

فكيف يسيغ المرء زادا وجاره

خفيف المعى بادي الخصاصة والجهد

ولعل الطاعن أن يقول في هذا الموضوع: فأين هو من ذكر مزرد وحميد الأرقط وهجائهما للأضياف؟! وأين هو من مطاعمهما الخبيثة من الحيات والضباب واليرابيع والعلهز وشربهم الفظ والمجدوح وأكل مياسرهم لحوم الإبل، حنيذا غير نضيج ونيئا والعروق والعلابي وسقط المائدة لا يعافون شيئا، ولا يقتذرون أكل السباع ونهش الكلاب ويفخر عليهم بأطعمة العجم وحلوائها وآدابها على الطعام، وكلها باليارحين والسكين؟! فأما هذان الشاعران اللذان يهجوان الأضياف، ويصفانهم بكثرة الأكل وجود اللقم؛ فإن أحدهما كان فقيرا ضعيف الحال، فإذا نزل به الضيف لم يجد بدا من إيثاره بقليل ما عنده أو مشاركته فيه، فيبيت طاويا ويصبح جائعا، ويجيش صدره بما حل به، والشاعر بمنزلة المصدور، لا بد له من أن ينفث فيستريح إلى ذكر لقم الضيف، ووصف أكله وحديثه، قال هو أو غيره يذكر الضيف:

تجهز كفاه ويحدر حلقه

إلى الزور ما ضمت إليه الأنامل

يقول وقد ألقى المراسي للقرى

أبن لي ما الحجاج بالناس فاعل

فقلت له ما إن لهذا طرقتنا

فكل ودع الأخبار ما أنت آكل

أتانا ولم يعدله سحبان وائل

بيانا وعلما بالذي هو قائل

وقال أيضا يذكر الأضياف:

باتوا وجلتنا الشهرين بينهم

كأن أظفارهم فيها السكاكين

فأصبحوا والنوى عالي معرسهم

وليس كل النوى يلقى المساكين

أراد من الأضياف من يأكل التمر بالنوى، وهذا يدل على شدة فقره، وأما مزرد فكان شرها منهوما والشره رفيق البخل، وهو القائل:

رسائل البلغاء · الصفحة ١١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ١١٢