تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهي صناع الأذى في الأهل والجار

ومنهم الحطيئة هجا أباه وأمه ونفسه. فقال في أمه:

تنحي فاقعدي مني بعيدا

أراح الله منك العالمينا

ألم أوضح لك البغضاء مني

ولكن لا أخالك تعقلينا

أغربالا إذا استودعت سرا

وكانوا بأعلى المتحدثينا

وقال لأبيه:

لحاك الله ثم لحاك حقا

أبا ولحاك من عم وخال

فبئس الشيخ أنت على المخازي

وبئس الشيخ أنت لدى المعالي

جمعت اللؤم لا حياك ربي

وأبواب السفاهة والضلال

وقال لنفسه:

أبت شفتاي اليوم إلا تكلما

بشر فما أدري لمن أنا قائله

أرى لي وجها شوه الله خلقه

فقبح من وجه وقبح حامله

وأتى عيينة بن النهاس العجلي مادحا. فقال عيينة لوكيله: اذهب معه إلى السوق، فلا يشيرن إلى شيء، ولا يسومن به إلا اشتريته له، فلما انصرف عنه قال:

سئلت فلم تبخل ولم تعط طائلا

فسيان لا ذم عليك ولا حمد

ومن لؤم الغرائز أيضا في الناس، أن منهم: من يؤثر ريح الكرابيس على ريح اليلنجوج، وريح الحشوش على نفحات الورد، ويهتاج من النساء لذات القبح والدفر، ويكسل عن الحسناء ذات العطر، ومنها أن الرجل يكون في رخاء، بعد بؤس وسعة بعد ضيق فيسأم ما هو فيه، ويرغب عنه إلى ما كان عليه. وقال أعرابي قدم المصر فحسنت حاله:

أقول بالمصر لما ساءني شبعي

ألا سبيل إلى أرض بها جوع

ألا سبيل إلى أرض بها غرث

جوع يصدع منه الرأس برقوع

وهذا وأشباهه من لئيم الغرائز؛ كثير في الأمم، وهذه الطبائع هي أسباب الشرف وأسباب الخمول، فذو الهمة تسمو به نفسه إلى معالي الأمور، وترغب به عن الشائنات فيخاطر في طلب العظيم بعظيمته، ويستخف في ابتغاء المكارم بكريمته، ويركب الهول ويدرع الليل، ويحط إلى الحضيض، وتأبى نفسه إلا علوا حتى يسعد بهمته، ويظفر ببغيته، ويحوز الشرف لنفسه وذريته، ومن لا همة له جثامة لبد يغتنم الأكلة، ويرضى بالدون ويستطيب الدعة وإن أعدم لم يأنف من ذل السؤال.

والجبان يفر عن أمه وأبيه وصاحبته وبنيه، والشجاع يحمي من لا يناسبه بسيفه، ويقي الجار والرفيق بمحبته، والبخيل يبخل على نفسه بالقليل، والجواد يجود لمن لا يعرفه بالجزيل. وقال الله - عز وجل:

قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها (الشمس: 9، 10) يريد قد أفلح من أنمى نفسه بالمعروف وأعلاها، وقد خاب من أسقطها بلئيم الأخلاق وأخفاها. وقد يكون الرجل مخالفا لأبيه في الأخلاق، وفي الشمائل أو في الهمم أو في جميع ذلك لعرق نزعه من قبل أجداده لأبيه وأمه. وقال الشاعر:

وأشبهت جدك شر الجدود

والعرق يسري إلى النائم

ومن الناس الشريف الحسيب، وذلك الذي جمع إلى محاسن آبائه محاسن نفسه، ومنهم الشريف ولا حسب له، وذلك إذا كان لئيم النفس، ومنهم من لا شرف له ولا حسب، وذلك إذا كان لئيم النفس لئيم السلف.

وقال قس بن ساعدة: لأقضين بين العرب قضية ما قضى بها أحد قبلي، ولا دبرها أحد بعدي «أيما رجل رمى رجلا بملامة دونها كرم، فلا لؤم عليه وأيما رجل ادعى كرما دونه لؤم فلا كرم له.» يعني: أن أولى الأمور بالمرء خصاله في نفسه؛ فإن كان شريفا في نفسه وآباؤه لئام لم يضره ذلك. وكان الشرف أولى به، وإن كان لئيما في نفسه وآباؤه كرام لم ينفعه ذلك.

ومثله قول عائشة: كل شرف دونه لؤم فاللؤم أولى به، وكل لؤم دونه شرف فالشرف أولى به. وقال الشاعر في مثله:

ومن يك ذا لؤم ومجد يعده

فأولى به من ذاك ما كان أقربا

فلا لؤم عودا بعد مجد يهده

ولا مجد معدود إذا اللؤم عقبا

والحسب مأخوذ من قولك حسبت الشيء أحسبه حسبا، إذا عددته، وكان الرجل الشريف يحسب مآثر آبائه ويعدهم رجلا رجلا، فيقال: لفلان حسب أي آباء يعدون وفضائل تحسب، فالمصدر مسكن والاسم مفتوح، كما تقول: هدمت الحائط هدما فتسكن المصدر، وتقول لما سقط إلى الأرض: هدم فتفتح الدال من الاسم، وكذلك الأمم فيها أمة كرم بلبانها كالعرب؛ فإنها لم تزل في الجاهلية تتواصى بالحلم والحياء والتذمم وتتعاير بالبخل والغدر والسفه، وتتنزه من الدناءة والمذمة وتتدرب بالنجدة والصبر والبسالة، وتوجب للجار من حفظ الجوار، ورعاية الحق فوق ما توجبه للحميم والشفيق، فربما بذل أحدهم نفسه دون جاره ووقى ماله بماله وقتل حميمه، منهم كعب بن مامة. وكان إذا جاوره جار، فمات بعض لحمته وداه، وإذا مات له بعير أو شاة أعطاه مكان ذلك مثله، ومنهم عمير بن سلمى الحنفي أحد أوفياء العرب. وكان له جار فخالفه أخوه قرين إلى امرأته، فاشتد الرجل في حفظ امرأته فقتله. وكان عمير غائبا فلما قدم وخبر بذلك دفع قرينا إلى ولي المقتول، فقتله واعتذر إلى أمه وعظم جرمه. فقالت:

رسائل البلغاء · الصفحة ١١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ١١١