وقيس عيلان ومن تقيسا
ولو كان كل من تعلم لسانا غير لسان قومه ونطق به خارجا من نسبهم لوجب أن يكون كل من نطق بالعربية من العجم عربيا «وسأقول في الشرف بأعدل القول وأبين أسبابه، ولا أبخس أحدا حقه، ولا أتجاوز به حده.» فلا يمنعني نسبي في العجم أن أدفعها عما تدعيه لها جهلتها، وأثني أعنتها عما تقدم إليها سفلتها، وأختصر القول وأقتصر على العيون والنكت ولا أعرض للأحاديث الطوال في خطب العرب وتعداد أيامها وفدات أشرافها على ملوك العجم ومقاماتها؛ فإن هذا وما أشبهه قد كثر في كتب الناس حتى أخلق ودرس حتى مل، لا سيما وأكثر هذه الأخبار لا طريق لها ولا نقلت من الثقاة المعروفين أيضا تخبر عن التكلف، وتدل على الصنعة، وأرجو ألا يطلع ذوو العقول وأهل النظر مني على إيثار هوى، ولا تعمد لتمويه، وما أتبرأ بعده من العثرة والزلة إلا أن يوفقني الله، وما التوفيق إلا به.
وعدل القول في الشرف أن الناس لأب وأم خلقوا من تراب وأعيدوا إلى التراب، وجروا في مجرى البول وطووا على الأقذار، فهذا نسبهم الأعلى يردع أهل العقول عن التعظيم والكبرياء، ثم إلى الله مرجعهم فتنقطع الأنساب، وتبطل الأحساب إلا من كان حسبه تقوى الله. وكانت ماتته طاعة الله.
وأما النسب الأدنى الذي يقع فيه التفاضل بين الناس في حكم الدنيا؛ فإن الله خلق آدم من قبضة جميع الأرض، وفي الأرض السهل والحزن والأحمر والأسود والخبيث والطيب، يقول الله - عز وجل:
والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا (الأعراف: 58)، فجرت طبائع الأرض في ولده؛ فكان ذلك سببا لاختلاف غرائزهم، فمنهم: الشجاع، والجبان، والبخيل، والجواد، والحيي، والوقاح، والحليم، والعجول، والدمث، والعبوس، والشكور، والكفور، وسببا لاختلاف ألوانهم وهيآتهم فمنهم: الأبيض، والأسود، والأسمر، والأحمر، والأشقر، والوسيم، والخفيف على القلوب، والثقيل، والمحبب إلى الناس من غير إحسان، والمبغض إليهم من غير ذنوب. وسببا لاختلاف الشهوات والإرادات فمنهم: من يميل به الطبع إلى العلم، ومن يميل به إلى المال، ومن يميل به إلى اللهو، ومن يميل به إلى النساء، ومن يميل به إلى الفروسية.
ثم يختلفون أيضا في ذلك، فمنهم: من يسرع إلى فهمه الفقه ويبطئ عنه الحساب، ومنهم من يعلق بفهمه الطب وينبو عنه النجوم، ومنهم من يتيسر له الدقيق الخفي ويعتاص عليه الواضح الجلي، ومنهم من يتعلم فنا من العلم فيرسخ في قلبه رسوخ النقر في الحجر، ويتعلم ما هو أخف منه فيدرس دروس الرقم على الماء، ومن طلبة المال من يطلبه بالتجارة، ومن يطلبه بالجراية، ومن يطلبه بالسلطان، ومن يطلبه بالكيمياء، فيتلف بالطمع الكاذب والتماس المحال أثلة المال، ومن طلبة النساء من يريد المهفهفة، ومن يريد الضناك، ومن يريد الغرة الصغيرة، ومن يريد النصف الوثيرة، وأعجب من هذا من ربما حبب إليه العجوز؛ قال الشاعر:
عجوز عليها كبرة وملاحة
أقاتلتي يا للرجال عجوز
عجوز لو ان الماء ملك يمينها
لما تركتنا بالمياه نجوز
ومن لؤم الغرائز أن من الناس من يحب الذم كما يحب غيره المدح، ويرتاح للهجاء كما يرتاح غيره للثناء، ومنهم من يغرى بذم قومه وسب نفسه وآبائه وشتم عشيرته، منهم عميرة بن جعيل التغلبي، وهو القائل:
كسا الله حي تغلب ابنة وائل
من اللؤم أصفارا بطيئا نصولها
ومنهم الحرمازي، وهو القائل:
إن بني الحرماز قوم فيهم
عجز وتسليط على أخيهم
فابعث عليه شاعرا يخزيهم
يعلم منهم مثل علمي فيهم
ومنهم القحيف، وهو القائل في أمه:
يا ليتما أمنا شالت نعامتها
أيما إلى جنة أيما إلى نار
ليست بشبعى ولو أسكنتها هجرا
ولا بريا ولو حلت بذي قار
تلهم الوسق مشدود أشظته
كأنما وجهها قد طلي بالقار
خرقاء في الخير لا تهدى لوجهته